عن النساء والآبار | أمل الحارثي

عن النساء والآبار

أمل الحارثي

حدثَّتْني قريبة لي عن نقاش بدَأَتْه في مركز عملها  في إحدى المؤسّسات الحكوميّة، كانت تهدف منه إلى معرفة رأي زملائها الذكور في جريمةٍ حدثت آنذاك وانتشرت على أنّها ما يُعرف اجتماعيًّا بجريمة الشرف، لاحظْت هي تحفّظ معظم الرجال على الحديث إلّا شخصًا واحدًا بدا مُتحَمّسًا فتوسّمْت فيه خيرًا حتى بانت لها الكارثة.

الرجل عدَّ القاتل غبيًّا إذ إنّه بِفِعلته أساء لنساء العائلة اللواتي سيعُرفْنَ أنهنّ قريبات الفتاة التي فرّطت بشرفها، أمّا الحلّ بوجهة نظره فهي كما فعل "قريب له" قبل عقود. وهنا أعطَتْه صديقتي أذنها وكامل انتباهها لتعرف كيف تصرّف هذا القريب، عندما أَتَتْه معلومات عن سلوك ابنته غير المتوافق معَ العادات والتقاليد.

يقول الرجل وكلّه إعجاب بطريقة قريبه في علاج الأمر: إنّ الرجل أخذَ عائلته ومعهم الفتاة المعنيّة في رحلة، وبعد الانتهاء مِن تناول الطعام دعا ابنته للمشي معه في الحقول القريبة التي يعرفها جيّدًا، ثمّ وبينما ابنته غافلة تقف بجانب بئر قديم قام بدفعها داخله، انتظر فترة حتى اختفى صوتها تمامًا، ثمّ عاد كأخوة يوسف يبكي ابنته التي زلّت ووقعت.

يتحدّث الرجل المعجب بذكاء قريبه أنّ الفتاة تمّ إخراجها ميّتة، وقد شيّعَتْها العائلة ودُفنت، وأُعدّ لها عزاء كبير، وبهذا تخلَّص والدها مِن عارها، وبنفس الوقت لم يؤثّر على سمعة فتيات العائلة اللواتي لا ذنب لهنّ في سلوكها.

تذكّرْتُ حادثة البئر هذه عندما قرأت خبر العثور على جثّة فتاة متحلّلة في حفرة امتصاصيّة في الخليل ، إذ قُتلت قبل عشر سنوات على يد والدها؛ لأنّها عادت له مطلّقة، عشر سنوات والرجل يعيش حياته والفتاة مختفية كأنّها لم تكُ شيئًا مذكورا.

العلاقة بين النساء والآبار في بلاد الشام علاقة وطيدة، وقصص الفتيات اللواتي رمين في الآبار ليست جديدة عليّ ولا على نساء جيلي، وأذكُر أنّني عندما كنت في الثامنة مِن عمري وفي زيارة لبيت جدّي في القرية سمعت صراخًا قادمًا من الخارج (هو امتزاج لأصوات حيوانات برّيّة على الأغلب)، فإذا بالفتيات يشرحْنَ لي قصّة الفتاة التي قَتَلَها أهلها بعد وِشاية مِن ابن عمِّها؛ لأنّها رفضته، جثّتها رُميت في البئر، وقد قيل إنّ الأصوات التي تُسمع ليلًا هي أصوات روحها المعترضة على قتلها ظلمًا.

هذه القصّة امتزَجَت بقصص كثيرة كنّا نسمعها في طفولتنا عن مصائر الفتيات الموحشة، والتي تنتهي بالقتل والرمي في الآبار عند تجاوز الحدود المسموح بها أو حتّى عند وشاية ولو لم تكن صحيحة، قصص هدفها الترهيب وإعطاء العظة والعبرة. 

حتّى قبل وقت قريب وفي أحد بيوت العزاء في الأردن جلستْ بجانبي سيّدة في الثمانين من عمرها، وبينما هي تسرد لي حكايا وقصصًا عن عمِّها المعروف بمركزه وجبروته زلّ لسانها وأخبرتني بأنّه في ستّينات القرن الماضي قتل ابنته ضربًا أمامهم وأخفى جثّتها (ربّما في بئر أيضًا)، وعاش بعدها سنواتٍ معزّزًا مكرّمًا لم يُبلِّغ عنه أحد من أقاربه ومعارفه.هذه الجرائم يُشارك ويتواطأ فيها كلّ المحيطين بالفتاة، وليس المجرم وحده هو المتّهم، إذ إنّ القصص تُعرف ويُسكت عنها، إمّا اقتناعًا بفعل المجرم، أو لأنّ الأمر عائليّ يخصّ العائلة وحدها، والرجال أحرار في نسائهم إنْ أرادوا قتلهن أو إبقاءَهن على قيد الحياة.

كل هذه القصص  جعلتني أتجنّب الاقتراب لأيّ بئر من الآبار المنتشرة في بلادنا، إذ إنّ عندي شكًّا أنّ أسفل كلّ بئر تقبع جثّة فتاة بريئة قُتلت لمجرّد الشكّ في تصرّفاتها أو للخلاص منها ومن مشاكلها.

اليوم عندما سمعْتُ الجملة التي انتشرَتْ بعد حادثة قتل أحلام على يد والدها، بأن عدد ضحايا العنف الأُسريّ اقترب مِن عدد ضحايا فيروس الكورونا في الأردن، من الجيد أن أذكر القارئ أن الرقم ربما يتجاوز الرقم المعلن، لأن الله وحده يعلم ما تُخفيه الآبار.

 

* مقالة خاصة بموقع تنوير الأردن


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top