إلياس فركوح في آخر حوار: لا أحد سواي بمقدوره أن يفهمني
الروائي الراحل إلياس فركوح

إلياس فركوح في آخر حوار: لا أحد سواي بمقدوره أن يفهمني

تنوير – خاص

حوار: لارا مصطفى صالح

 

صدم رحيل الأديب إلياس فركوح الأربعاء الماضي الوسط الإبداعي في الأردن والعالم العربي بالنظر إلى مكانة الراحل العالية في سماء الإبداع؛ حيث ترك الراحل إرثا أدبيا لافتا أضاف للمكتبة العربية  العديد من العناوين المهمة في القصة القصيرة والرواية والترجمة.

تنوير الأردن يعيد نشر الحوار الذي أجراه مع الراحل في في 09 مارس من هذا العام، وكان آخر حوار منشور له.

 

نص الحوار:

"ما أنجزته من نصوص روائية وقصصية وسواها، طوال انشغالي بالنشر حتّى الآن، يشهد لي أو عليَّ." بهذه الجملة يلخص القاص والروائي الأردني إلياس فركوح مسيرة إبداعية جاوزت النصف قرن، ثمارها المجموعات القصصية (الصفعة، طيور عمان تحلق منخفضة، إحدى وعشرون طلقة للنبي، من يحرث البحر، أسرار ساعة الرمل، الملائكة في العراء، حقول الظلال). (من رأيته كان أنا وهو المجلد المتضمن المجموعات السبع). و(شتاءات تحت السقف/ مختارات قصصية). وأصدر في الرواية (قامات الزبد) و(أعمدة الغبار) و(أرض اليمبوس) و(غريق المرايا). حرص في أعماله كلها على تشييد البناء الروائي المحكم بلغة خاصة يعتني بها بقدر كبير على أن تأتي معبرة بإخلاص عن مضامين التجارب لا وسيلة لإيصال الأفكار.

إلياس فركوح، الحاصل على درجة البكالوريوس في الفلسفة وعلم النفس من جامعة بيروت العربية، ومؤسس ومدير عام دار أزمنة للنشر حاز على جائزة محمود سيف الدين الإيراني للقصة القصيرة من رابطة الكتاب الأردنيين العام 1982 عن مجموعته إحدى وعشرون طلقة للنبي. وكذلك على جائزة الدولة التشجيعية  العام 1990 عن روايته (قامات الزبد)، ونال جائزة الدولة التقديرية في حقل القصة القصيرة العام 1997.

 

يقول الروائي إلياس فركوح في حوار خاص بموقع تنوير الأردن: "سأقولها، ولأوّل مرّة: إنّ كلّ ما كتبته - أو معظم معظمه -، كانت مواده وعناصره قد تشكَّلت من "فتافيت".

* كيف تشكلَت عوالم الكتابة لدى إلياس فركوح؟ حدّثنا عن البدايات.

حين أحاول استعادة ما اصطلحنا على تسميته بـ"البدايات"، أجدني على غير ثِقَة أو يقين مني حينذاك؛ أعني ماذا كنتُ في ذاك الزمن، في داخلي غير الواعي تماماً بـ"لماذا.. وكيف.. وماذا" أردتُ من الكتابة! وهل كانت بِذرة كامنة فيَّ تنتظر سقايتها بقراءة الكتب والاستهداء بها، أم استنبتُّها قاصداً لأنني كنتُ مدفوعاً بأمرٍ لاعِجٍ ربما هو مجرد "قَوْل" ما لم أتمكن من قَوله خارج كلمات "تُكْتَب" على ورق؟ أن أفضي بـ"كلام" لا يتعداني؛ إذ لا أحد سواي بمقدوره أن "يفهمني"، فأكون كمن أراد "رؤية" صورةٍ له خافيةٍ عليه رسمتها كلماته هو، وأن "يسمع" صوتاً آخر لم يسبق أن أطلقه على الملأ؟ ليس "مونولوجاً" بالتأكيد، وليس "بوحاً" أيضاً بقدر ما هو فِعْلٌ أبسط بكثير أو، لعلّه، أعقد بكثير!

إنَّ سؤالكِ هذا، على ما يبدو من خارجه أوّليَّاً بسيطاً سهلاً، إلّا أنه، رغم اجتهاداتي السابقة الكثيرة في إجاباتي القديمة، ظلَّ معلّقاً بخيوطٍ تراخَت وتهدلَت ونَحَلَت ساحبةً معها كلَّ الإجابات إلى منطقة: لستُ متأكداً درجة اليقين لأجيبَ مطمئناً طمأنينة الـ"عارف" الراضي بما يعرف!

أما عن العوالم في تلك "البدايات"؛ فأغلب الظَّن أنها جُبِلَت من عناصر عالمين أو واقعين:

أولا: واقع البيئة الاجتماعية التي نشأتُ فيها – زماناً، على وَقْع مخزون الوعي المتكوِّن إبان منتصف خمسينيات القرن الماضي، ثم التحوّل الحاد الجارح على زلزال حزيران 1967. وأمكنةً: عمّان وسط البلد، شارع الملك طلال، بيت يطلُّ مباشرة على السيل وعالمه المتنوّع الملوّن الضاجّ قبل أن يُسْقَف، والقدس في ما بعد، داخل أسوار مدرسة رهبانية في قسمها الداخلي هي أسوار المدينة نفسها. أسوارٌ تعاقبَت على رَفْعها ممالك زالت وامبراطوريات رحلَت يعتليها جنودٌ أردنيون يُطلُّون على خرائب "المنطقة الحرام " no man’s land، الفاصلة بين "قُدسين"، شرقية (نحن فيها) وغربية محتلة، ويحرسون، ربما، أحلامنا في أن "نتحرك" يوماً لاجتيازها!

ثانيا: الواقع الساحر لجميع الأفلام التي أدمنتُ صالات عرضها بروائحها المميزة في خصوصيتها، جميع الصالات، (دُنيا، والكواكب، والبترا، وزهران، ورغدان، وبسمان، والحسين، وفلسطين، والخيّام، والفردوس، والأردن، واستديو الأردن، والحمرا، إلخ). لا بُدَّ من أنّ عناصر ما شاهدته من أفلام قد أسهم في بناء عالمي الكتابي: مغامرات، غراميات، معارك، أبطال، عِشق وقبلات، أغاني ورقصات، أخيار وأشرار، خيول وطائرات وقطارات، سيوف وبنادق، منجنيقات تقذف كُرات ملتهبة ومدافع تطلق قذائف وبارود، نبلاء وأنذال، شرفاء وخَوَنَة، إلخ.

من هذين الواقعين/ العالمين تشكَّلَت المادة الخام لعالم كتاباتي حينذاك، وربما أثرهما سوف "يَبْصُمُ" على ما سأكتبُ، كما سَبَقَ وأن "بَصَمَ" عديدَ نصوصي مذ بدأتُ المضي في رحلة الكتابة.

 

* هل تخطط لِمْا ستكتب، أم أنّ الكتابة تفرض سطوتها عليك؟

ليس من "مخطَّط" يسبق شروعي بالكتابة، أي ليس من "خارطة طريق" يهتدي بها النصّ أثناء سيرورته. وغالباً ما أبدأ بجُملة قصيرة تراودني على نحوٍ مِلحاح، جُملة تتضمن صورةً، أو معنى، أو كليهما، تكون بمثابة "الومضة" المشيرة إلى "طريقٍ" شبه مُضاء. ومضة وطريق تستحثاني على المضي بانياً ما يتلو ذلك على "افتراضات" و"احتمالات" تُخْتَبَر أثناء الكتابة! غير أنّ هذا لا يعني أنني "خالٍ" من ما أُضْمِر "قوله"، أو أنني مشلوحٌ في خَلاء تذهبُ بي الريح حيثما هَبَّت! فثمّة، في عُمْقٍ من أعماقي، "كينونة" تتهيأ لأن تتبلور. ثمّة وجوه مضببة عليَّ أن أستنطقَ ملامحها، وأماكن أعرفها تقريباً، وأصوات تتصادى تأتيني من زمنٍ عِشته ربما كانت لي أو لسواي – أصوات تريد أن تشكو، وأن تحكي حكاياتها، وأن تُفشي أسرارها! كلّ هذا موجود، في عُمْقٍ ومستوى فيَّ، وآنَ لـ"الكتابة" أن تكشف عنها: حينها؛ تصبح الكتابة وفق ما أزعم، طاقة ساحرة مغوية قِوامها "الفضول"!

الكتابة التي "يفعلها" الكاتب، إنما هي طاقةُ إنارةٍ تُشْبِعُ فضولَه في المعرفة: معرفة ما "يملك" حقاً، وما سوف يضيف ليقدّمه لقارئه. وفي هذه الحالة، أدّعي أنني هذا "الكاتب"، ولا أجيز لنفسي أن أُعَمِّم.

سأقولها، ولأوّل مرّة: إنّ كلّ ما كتبته - أو معظم معظمه -، كانت مواده وعناصره قد تشكَّلت من "فتافيت". أحداث ثانوية مجزوءة، حكايات صغيرة مقتطعَة، شخصيات غارقٌ نصفها أو أكثر في الظلام.. أو تحت ضوء قوي باهر يغشي النظر إليها ويكاد يمحوها. ولعلّ هذا، في مجمله، السببُ في شروعي بالكتابة دون تخطيط مسبق. فأنا لا أملكُ حكايةً كاملة، ولذلك ليس "بين يدي" أحداث مطّلِعٌ عليها وما عليَّ إلّا أن أسردها، أسوة بغيري من الروائيين وكتّاب القصة – أو بطائفةٍ منهم. إني كاتبٌ لحالات، ولستُ سارداً لحكايات.

باختصار: الكتابة، وعبر تواليها، المستدعية لمخزون أعماقي وإخراجه، عاملاً فيه وعيي المشحوذ والحَذِر، تأخذُ عناصر العالم السردي بالالتحام والاتساق واستكمال بعضها بعضاً، هكذا يتسَيَّر "النصّ"، لينتهي جرّاء هذه الحركة إلى صيرورته!

 

* إلى أي حد تتأثر إبداعياً بالأحداث السياسية؟

لم تكن الأحداث السياسية ذات المنحى اليومي لتلفتني حقاً، اللهم إلّا بوصفها تثبيتاً وتأكيداً لرؤيتي (وهذه مسألة خاصّة)، أو تفصيلاً صغيراً مُضافاً لـ"حالةٍ أو قضية" أكبر منها. ولأنها كذلك؛ فإنَّ تأثري بها إبداعياً يكاد لا يُذكَر، وإنْ حدث وأن مَرَّت في نصٍّ ما؛ فللإشارة إلى لحظة في الزمن الاجتماعي تركت بصمتها على حياة الناس، إلى برهة من تاريخ، أو للكشف عن جانب من جوانب إحدى شخصيات النصّ المشغولة بالحدث نفسه - بل قد تشكّل، أحياناً، جزءاً من مشهدٍ عام قابلٍ لـ "الفُرْجَة الخاطفة والإنصات العابر" يجري على شاشة تلفزيون كبيرة، داخل (كوفي شوب) مزدحم ضاجّ بالأصوات، ومختنق بأدخنة الأراجيل وروائحها الكاتمة. يجري عابراً بلا كبير اكتراث، وكأنه فاصلٌ إعلانيٌّ غير مُسْتَحَبّ وممل بين شوطين في مباراة كرة قدم في دوري إسبانيا مثلاً، بطلاها رونالدو وميسّي!

أيّ "رثاثة" بلغتها الأحداث السياسية اليومية هذه، حين تعبر على خلفية قضايا كبرى، بحسبي: الإنسان العربي في مصيره البائس الحائر بين مَوتٍ أرضيّ يوميّ متعدد الأشكال والمصادر والجهات، قبل أن يناله "قابضُ الأرواح" حقاً – وقابض الأرواح هذا ليس هو، بالضرورة، مَلاك الموت الرَّباني! وبانوراما الكارثة الدموية القاتلة السوريّة أو اليمنيّة تشهدان!

ومع ذلك؛ أقول إن الأحداث السياسية لم تكن "دافعاً" لي للكتابة الإبداعية، أو تحفيزاً للخوض فيها مخصصاً لها نصّاً كاملاً، روائياً أو قصصياً. نعم، إنها تشكّل المحيط العام، إنما البعيد المخاتل والمتخذ حالة الذكرى كسطرٍ في فقرة طويلة.

لقد انشغلتُ فترة خمس سنوات ماضية، ربما أقلّ، بالأحداث السياسية (حيثيات الربيع العربي وأسئلته، وداعش بتداعياتها، والأنظمة العربية المتخبطة بفشلها الذريع وقمعها المجنون، إلخ)، التي مرّت بأيامنا وكانت ذات دلالات أردتُ، من خلال التعرض لها بالكتابة، أن أبدي وجهة نظري فيها. أن أرسم رؤيتي لها بما يتعداها لكنه يلتصق بها كـ"مفهوم" معرفي وثقافي. وهذا ما سيكوِّنُ كتاباً قيد الصدور أسميته: "ديستوبيا راهنة: إنسانٌ مُسْتَلَبٌ وأوطانٌ مُنْتَهَكَة"!

لكنها كتابات/ تأملات/ مقالات/ شهادات خارج السرد الأدبي.

 

* ما هي طقوسك الخاصّة أثناء الكتابة؟

أفَضِّلُ التعامل معها بوصفها "عاداتٍ أو أوضاعاً" أكثر من "طقوس". فالطقس، ككلمة ذات تاريخٍ في ذاكرتنا الدينية، توحي بقداسةٍ ما يتسم بها الفعل والفاعل، تومئ إلى "هالة"، إلى "ارتفاع وصعود وتَسَامٍ"، كـلمة رديفة للصلاة، بينما الانخراط بالكتابة لا يعدو أن يكون فِعْلَ انعزالٍ وتفرغٍ وخُلوصٍ تتطلبه الذات الكاتبة. وإذا جاز لي معارضة حالة الارتفاع والصعود والتسامي المفترضة، فإني أضع أمامها: الهبوط إلى أغوار الذات، والغوص في المخبوء والتقاطه بطاقة الوعي وحيوية المخيلة.

عاداتي حين الكتابة بسيطة، بل متقشفة، ومتطلباتها تنحصر في توفر الخلوة أو الانعزال، الهدوء والصمت في المحيط (لا أكتب إلّا في حجرة المكتبة داخل البيت، إذ لم تتفق شخصيتي مع الكتابة في أماكن عامة)، كما فشلتُ في "إنعاش" المزاج بالموسيقا – حال بعض الكتّاب، أو بجرعات من مشروبٍ كحوليّ -، فلديّ أكواب من النسكافيه السوداء تتلاحق، أو فناجين القهوة من دون تحلية! وهذه أفعلها بنفسي، وتشكّلُ "استراحات ومراجعات ذهنية" بين دخولٍ للمطبخ وخروج منه! وطرداً للقلَق الذي يؤثِّر سلباً على تواصل الكتابة؛ فإنّ اطمئناني لوجود أكثر من علبة سجائر يجعلني في "منطقة أمان"! فأنا مُدخنٌ مدمن.

ما أودُّ إضافته ونحن بصدد مسألة "أجواء الكتابة وعاداتها"، هو أنَّ أوقاتها اختلفَت مع التقدم بالعُمْر. فعلى عكس المألوف، كانت الصباحات الباكرة جداً هي الأوقات المفضلة قبل عشرين أو ثلاثين سنة، حين تكون كافة الحواس مستريحة ويقظة، والسبب هو أني كنتُ أخلد للنوم عند العاشرة ليلاً، خِلافاً لمألوف "الشباب" في سهراتهم الممتدة. أما الآن، وها بِتُّ عجوزاً، فلقد انقلب التوقيت لتصبح الكتابة ليلاً وتتواصل إلى الفجر أحياناً.

*  إلى أين وصل مستوى القصة القصيرة في الأردن؟

 لن أكون عادلاً أو مُنْصِفاً إذا ما صِغْتُ رأياً مكتملاً محيطاً بـ"القصة القصيرة في الأردن"، عندها أجعل من نفسي حَكَماً، وإني لستُ كذلك. ما اطلعت عليه من قصص في مجموعات، صدرت خلال السنوات الأخيرة، أفادني بأنْ لا وجود لـ "نَقْلَة نوعية" لافتة في كتابة القصة القصيرة. فالمشهد، بحسبي، يتضمن قصصاً مستوية وناضجة حقاً، وأخرى واعدة إذ امتلكَت الشروط الفنية واللغة، ناهيك عن إضافات في الإصدارات لكتّاب وكاتبات دون أن "يثوروا" على سابق كتاباتهم.

أعرفُ أنّ هذا كلام عام يصلح لأن نَصِفَ به أيَّ مشهد أدبي، غير أنه يصدر عني جرّاء اطلاعي النسبي الذي لم يُفاجأ، أو يُدْهَش، أمام قصصٍ ذات مستوى استثنائيّ/ جديد/ طازج طالما أَمِلْتُ بقراءتها.

 

* في روايته “أرض اليمبوس”، التي كانت ضمن القائمة القصيرة لجائزة (البوكر) في دورتها الأولى، ونال عنها عام 2008 جائزة تيسير سبول للرواية التي تمنحها رابطة الكتاب الأردنيين. وحد فركوح  في أرض اليمبوس بين السيرة الذاتية لإنسان محدد الهوية والانتماء، وسيرة الإنسان المغترب، متحدثا بلغة باذخة عن سطوة الزمن وهشاشة النفس البشرية. وفي معرض الحديث عن الرواية العربية تابعنا الحوار: 

قلتَ في أرض اليمبوس: "لسنا في الجنّة ولسنا في الجحيم"، هل تنطبق هذه المقولة على واقع الرواية العربية حالياً؟

إلى حدِّ ما، نعم. باتت الرواية العربيّة تحتلّ حيزاً متعاظماً من الاهتمام والتركيز الأدبيين، كما أصبحَت، بمعنىً ما، تؤشِّرُ على "حِراكٍ" ثقافيّ قِرائي غير مسبوق على صعيد الالتفاف المجتمعي. لم يحظَ أي جنس أدبيّ بهذه المتابعات، حتّى الشعر سابقاً، الذي كان وظلَّ محصوراً داخل دوائر صغيرة من "نخبة المثقفين والقُرّاء." ولأنّ الرواية تحولت مشكِّلةً بؤرة القراءة و"كِتابها" الأول لدى قطاعات مستجدة من القرّاء؛ فإنها تعرضت لمصدرين من الجذب:

أولا: جذبٌ من الكتّاب، بشتّى مستويات تجاربهم وتجريبهم، ما أدّى إلى تنويعات في خارطة الرواية، وإثراء موضوعاتها ومناخاتها الاجتماعية بسبب أسماء وفدت من منطقة "الأطراف أو الهوامش"، ولهذا أثره المهم. كما كان للجوائز مفعولها في تحفيز رهط من الكتّاب (جُدد وأصحاب تجارب سابقة) لكتابة "إضافات" تتراكم لم تكن كلّها ذات تميّز، لكنها، مع ذلك، أفسحت المجال لبروز أسماء جديدة لافتة بحق، ونسائية على نحوٍ خاصّ، الأمر الذي أرى فيه تحولاً إيجابياً.

ثانيا: جذبٌ قِوامه جيلٌ من القرّاء جديدٌ، بدأ يبني "ثقافته الأدبية" على روايات نالت الشهرة لسببٍ أو لآخر (فوز بجائزة، ونشاط ترويجي معزز بالصور على وسائل التواصل الاجتماعي، إلخ)، استسهلَ كتابتها واحتلَّ نسبةً ليست قليلة من المُضاف للسوق. وهذا، في عمق المسألة، أحدثَ نوعاً من "التخريب والتزييف" في الذائقة والتقييم والرواج، بحيث باتَ السهل المقروء مسبقاً، الفاقد للقيمة الفنية والمحمول المعرفي النقدي، "معياراً"!

نعم، لسنا حيال الرواية العربية اليوم، في الجنّة رغم بضع علامات تشير إليها. ولسنا في الجحيم، مع أنّ عدداً من الظواهر المجتمعية تقوم بتنبيهنا وتحذيرنا.

 

* للنهايات المفتوحة سحر خاص، وضبابية مغرية لتحفيز مخيلة القارئ، ومن المؤكد أنها لا تأتي عشوائية من قِبَل الكاتب. والقارئ لمعظم أعمالك يلاحظ أنك تعمد إلى ترك النهايات غير واضحة ومفتوحة على التأويل. هل تخطط لمثل هذه النهايات، أم تقترحها عليك الأحداث أثناء الكتابة؟

ليس في هذا الأمر قصدية ورَسْم مُسْبَق، إذ، وكما ذكرتُ لكِ في إجابتي عن سؤالك الثاني، فإنَّ قصصي ورواياتي تعتمد التحديق في حالات إنسانية مقتطعة من شريط حياتيّ ما. "فتافيت". وهذا يعني جَهْلي بالسياقات التي خلَقتها، وأنّ كلّ ما يتأتى عنها بعد ذلك إنما هو رَهْنٌ للافتراضات – تماماً كما هو ما قبلها. وإنها، لا بُدّ، افتراضات تحتمل الصواب والخطأ في الوقت نفسه. فما دام ما "كان قبلها" مشكلاً جذْرَ حكايتها ليس سوى افتراضٌ بُني على الحالة المقتطعة وفقاً لاجتهادي، فإنَّ كتابتي لن تتسم بنسبةِ وثوقٍ وإقناع إذا قمتُ بـ"استكمال" الحكاية على نحوٍ قاطع محسوم. فالاستكمال يعني بلوغ النهايات، والنهايات تعني معرفة المصائر، وهكذا أكونُ امتلكتُ "حكاية" كاملة فكتبتها، مخالفاً بذلكَ قَناعةً لطالما كررتُ مقولتها في غير مكان ومناسبة، مفادها: "لا شيء يكتمل، ونحن محكومون بالنَّقْص!"

يشكّلُ النُّقصان تحدياً للإنسان في "كَم" ما يعرف، فيسعى لسدّه بتحصيل المزيد من المعرفة الأكيدة. غير أني أجدُ في النقصان دافعاً لتحفيز المخيلة، لدى الكاتب والفنان، لطرح الأسئلة وليس الإجابات؛ فالأخيرة من مَهام المشتغلين بالمواد ذات الطبيعة النفعية البراغماتية، علماء الفيزياء مثلاً، وأصحاب الأهداف المحددة. ولن تكون أسئلة الكاتب والفنان لتُطْرَح من غير وجود لموضوعاتها، كما لن تكون إلّا جزءاً منها – أي "الحكاية الناقصة" -، وكلّ مَن قرأ صفحات النصّ القصصي أو الروائي إلى أن وصلَ أوراق الختام الخالية من "خاتمة"، فإنّه يمتلك حق و"وجاهة" استخراج إجابته الخاصّة، فيضع لـ"الحكاية" نهايتها المحتملة.. أي: المفترضة.

إنه التأويل، إذَن. والتأويل افتراضٌ. والافتراض احتمالٌ. وهكذا. وإنها الدعوة المفتوحة لكلّ قارئ للدخول في "حوارات" مع النصّ نفسه، واستنطاقه، وليس بالضرورة أن نتفق بالرأي، أو نحتكم إلى الرؤية ذاتها!

* بما أنكَ تمتلك دار نشر، هل أثّر انحياز الجيل الجديد للمرئي والمسموع على الحد من انتشار الكتب المطبوعة؟

بالتأكيد هذا ما حدث ويحدث، وإنها لغة العصر التي يتخاطب بها أبناءُ هذا العصر، وهم في ذلك إنما يعيشون باتساق مع "شروط" زمانهم. فالصورة في ذاتها لغةٌ لا تحتاج إلى أبجدياتٍ نتقن سِواها، فما بالنا إذا كان الصوت مرافقاً لها ليشرحَ، ويُطْرِبَ، ويستكملها مشهداً متضافراً في عناصره الجاذبة للفرد وللجماعة على السواء.

نعم، أثّر المنتَج المرئي والمسموع سلباً على الكتاب الورقي، لكن للمسـألة وجهاً آخر (وإني هنا أقصد الكتاب الإلكتروني، وليس مخرجات الفيديو كليب)؛ فلقد أتاحت هذه التكنولوجيا انتشاراً واسعاً غير مسبوق للكتاب. وتداولاً له عابراً للحدود عبوراً جعلَ منها هي حدوداً افتراضية وهمية! وإذا كنا نرى في الكتاب وسيلة لنقل المعارف، وإثراء الثقافات، وإنارة للعقول التي كبّلتها رقاباتُ ومحظورات بلدانها؛ فإنّي أصيغ العبارة التالية: "رُبَّ ضارةٍ للكتاب الورقي نافعة لمن يطلبونه حاجةً معرفية وحضارية!"

وإني، بدوري، أنحازُ إليه فعلاً.

* كيف ينجح الأديب ناشراً؟ ألْا يختلط الإبداع بالمصلحة المادية؟

لن أتطرق لأحد سواي ربما يشبهني في أنه أديب وناشر في الوقت نفسه. بالنسبة لتجربتي، كان النشر وما زال يشكّلُ عملاً منسجماً مع طبيعتي في إشراك أكبر عدد ممكن من القرّاء في الاطلاع على الجميل، والجديد، والمُضاف: معرفياً، وأدبياً، وفكراً نقدياً، ونصوصاً مغايرة. أما البُعد النفعي المادي/ المالي؛ فلن أشير إليه بغير كلمتي: مقامرة وعِناد، بعد أن كان مجرد مغامرة ومتعة!

نجحتُ ناشراً بمفهوم طبيعة الكتب التي نشرتها، لكني فشلتُ فشلاً ذريعاً في استرداد ما استثمرته فيها، وهكذا لم أحقق مصلحة مادية تُذْكَر يظنها البعض. أما كأديب، فما زلتُ كما أنا، وما أنجزته من نصوص روائية وقصصية وسواها، طوال انشغالي بالنشر حتّى الآن، يشهد لي أو عليَّ.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top