الأخ الكبير يراقبك.. ونحن كذلك نراقبه | زيد أبو درويش

الأخ الكبير يراقبك.. ونحن كذلك نراقبه

زيد أبو درويش

   "الاخ الكبير يراقبك.. وزارة الحقيقة.. وزارة السلام.. رابطة الشباب المناهض للجنس.. 2+2 = 5 ..اسبوع الكراهية.. شرطة الفكر.. الحرب هي السلام ..الحقائق البديلة" كل هذه التراكيب والعبارات والاقتباسات المفارقة واُخرى غيرها نحتها الروائي الشهير "جورج أورويل" في فصول روايته الخالدة التي تحمل عنوان (1984) التي كتبها - للمفارقة - عام 1948 .  يتخيل أورويل في هذه الرواية دولة مستقبلية يحكمها نظام شمولي قمعي خاضعة لحكم فرد أطلق عليه لقب "الأخ الكبير". يصف أورويل في سياق روايته التي صنفت ضمن أفضل 100 رواية عرفها العالم تفاصيل حياة الناس في دولة "الدستوبيا" البوليسية هذه ومستوى البؤس الذي وصلوا إليه، فهي لم تدمر حياتهم وشبابهم وإنتاجهم فقط بل انها مزقت أرواحهم وقيمهم وحولتهم إلى منافقين ووشاة يتربص أحدهم الآخر. وصلت الرواية إلى مرتبة أعلى 5 ماركات تم شراؤها من موقع أمازون المتجر الاليكتروني الأضخم على الإنترنت بعد أن تم الربط بين أحد التصريحات  لمستشارة ترامب  الذي استخدمت فيه عبارة "الحقائق البديلة" المقتبس من الرواية وهو ما اعتُبر زلة لسان. ما ذكرني بهذه الرواية، وعلى نحو مختلف سأُبينه لاحقا، حادثة مقتل "جورج فلويد" على يد الشرطة في اميركا.

  في دولة "الأخ الكبير" لا تقتصر أدوات القمع على السجن والتعذيب للأفراد الذين يقعون تحت قبضتها، بل إنها ابتدعت وسائل اُخرى لقمع وضبط كافة الرعايا، ومنها هذا الجهاز العجيب الذي يشبه شاشة التلفاز الذي نشرته الدولة في كافة الأرجاء، في الميادين والشوارع والبنايات وأماكن العمل، هذا الجهاز كما يروي أورويل يستطيع التنصت على الكلام وكذلك يعمل كآلة تصوير ويستخدم كذلك لبث خطابات الأخ الكبير وللإعلان عن الفعاليات التي تنوي الدولة إقامتها، ولتأكيد عمل هذا الجهاز، هناك لافتات تقول "..انتبه الأخ الكبير يراقبك" نشرت في كافة الأرجاء. لقد كانت هذه التفاتة روائية مبكرة لخطورة الدور الذي ستلعبه التكنولوجيا كواحدة من أدوات "القمع الناعم" التي تضع الرعايا تحت وطأة الاحساس بانهم مراقبون ومكشوفون ما يؤدي إلى انضباطهم وخوفهم الدائم. ألهمت هذه الفكرة ما يسمى برامج تلفزيون الواقع الأعلى مشاهدة على مستوى العالم تحت عنوان " big brother show" وتحت عناوين مشابهة، ومنها نسخ عربية مثل برنامج "ستار اكاديمي".  ولكنها ايضا ألهمت السلطات الحاكمة وفي مختلف الدول التي سارعت الى استخدام نظام  الرقابة هذا حال توفر التكنولوجيا الملائمة.

    استخدمت الحكومات هذا النظام لمراقبة حركة السير، وللرقابة على المنشآت والممتلكات لحمايتها من السرقة ومكافحة الجريمة. لم يقتصر الأمر على ذلك، إنما تعداه  للرقابة على الرعايا، وبفضل التطورات التقنية المتلاحقة استطاع هذا النظام القيام بالمهمة في كل لحظة وفي كل مكان، لا يتم ذلك بالخفاء، فالحكومات، وباستخدام هذه التقنيات توصل رسالتها الى كافة الرعايا أن "..انتبه انت تحت المراقبة"،  ثم تترك للفكرة التي زرعتها أن تفعل فعلها. هذه ليست مراقبة محايدة، إنها تهدف أيضا الى تحقيق الضبط والتحكم ثم التوجيه، واستناداً على نظام الرقابة أيضا،  تستطيع التنبؤ بسلوك الأفراد والجماعات ومن ثم اتخاذ ما تراه موافقا لمصالحها.

 في خضم الثورة الرقمية كانت الحواسيب ثابتة، وكذلك الهواتف، ثم عرفنا الحاسوب المتحرك "المحمول"، ثم الهاتف المتحرك "الجوال"، الى ان تمكن عباقرة الفضاء الرقمي، ستيف جوبز وبيل جيتس وآخرون من العثور على الحلقة المفقودة : الحاسوب الجوال، أو ما نسميه "الهاتف الذكي" الذي يقوم بالمهمتين معا، الاتصال الهاتفي وتراسل البيانات: النص، الصوت، الصورة، الفيديو، وأية بيانات رقمية مركبة. توافق ذلك مع الانتشار الذي حققته الشبكة العالمية (w.w.w) إذ استطاعت ان تصل الى جميع انحاء الكوكب.

  استفادت الحكومات من هذه  التطورات وادخلتها في نظام الرقابة العام الذي يسميه فوكو "البنابتيكون" ولكنها لم تنتبه الى انها فقدت احتكارها لهذا النطاق،  لم تعد هي "الأخ الكبير" الذي تصطاد عدساته الفرائس من الرعايا، بفضل هذه التقنية أصبح هناك صياد آخر أو أكثر من أخ كبير يمتشق هاتفه الذكي استعدادا للقطة في كل مكان وفي كل لحظة/ تشير احصائيات شركة اريكسون الى أن عدد الهواتف الذكية في العالم قد يصل الى 6.5 مليار أو أكثر في العام 2020 .

  في اللحظة الحاسمة، عندما كانت ركبة ذلك الشرطي العنصري على رقبة جورج فلويد وكان هناك "عزرائيل " ملاك الموت، كان هناك ملاك آخر، ملاك رقمي، ملاك الرحمة والعدالة، وكان هناك هاتف ذكي. واحتاج الأمر إلى "كبسة" على زر تشغيل الفيديو وعدد من "الكبسات" للإعداد والإرسال، وبعدها ينتشر الفيديو أسرع بآلاف المرات من سرعة انتشار فيروس كورونا. وليقلب الطاولة على رأس نظام عنصري مقيت، وليقلب الأدوار في نظام الرقابة هذا، ولتصبح السلطة هي الفريسة هذه المرة... قال المتنبي:

ومن يجعل الضرغام للصيد بازه ... تصيّده الضرغام فيما تصيدا

 

 

 

 

 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top