ذكرتني أحلام بصديقتي الفراشة | لارا مصطفى صالح

ذكرتني أحلام بصديقتي الفراشة

لارا مصطفى صالح

فضولية ولا أستطيع مقاومة الاستماع إلى الأحاديث من حولي، أميل لتقصي المعلومات، وأظن أنني من النوع الذي لن يتفق مع الصبر أبدا، ليس بسبب التقدم في العمر أو بسبب جيناتي الوراثية، إنما لأنني كنت كذلك منذ صغري. ربما أسهمت أقوال من حولي بأنني كذلك في تحويل تلك الصفة إلى ميزة لافتة.

في العام 2003 جمعني العمل بصديقة، كنت أسميها (الفراشة) استنادا لحيويتها ورقتها. شاء والدها ألا تستمر في العمل بسبب المسافة الجغرافية بين منزلها الواقع في محافظة السلط ومقر الشركة القائم في جبل الحسين.

عاشت الفراشة في منزل محكوم بالسلطة الذكورية، كان الأب متسلطا عنيفا ويقسم بالطلاق في كل وقت. بيد أنه كان يشعر بواجبه في تعليمها فقط! ولم يكن هو وحده من يملك زمام الأمور في المنزل، فقد كان لها أربعة من الإخوة ماركة (سي السيد) من النسخة الأردنية. فلا تخرج الأم إلا بطلب استرحام ولا تغيب هي عن البيت بعد الغروب خوفا من العقاب.

قامت الفراشة لتعد البطاطا المقلية بناء على طلب واحد من إخوتها ذات نهار، فأمسكت النار بجسدها. حاولت أن تطفئ نفسها أولا، وعندما لم تنجح استنجدت بأهل البيت، صرخت، لكن لم يدركها أحد إلا بعد أن غابت عن الوعي، ولم تصح من غيبوبتها قط كما أخبروني.

بيننا صديقة مشتركة، جميلة جدا، لها عينان ضاربتان إلى السواد، تفيضان طيبة، متى نظر إليها أحد ردت بابتسامة مصطنعة، وكانت لها مشية قلقة. وكما لم يجتمع الحب والحقد في قلب عاشق، لم يجتمع الفرح والضحك على محياها يوما. غير أن الطابع الذي كان يميزها فعلا عشقها للبكاء. إن حزنت بكت وإن فرحت -ذات صدفة- بكت. لا يعوزها الذكاء، بيد أنها لم تحترف صناعة الحياة، واستسلمت لكابوس العنوسة، ولم تعد تتوسم من الدنيا سوى فارس، حتى وإن كان بلا جواد. فور سماعها نبأ وفاة الفراشة، هاتفتني وهي تبكي بحرقة.

- اليوم رح يدفنوها!

وصلنا إلى المنطقة التي كانت تعيش فيها الفراشة، بدت المقبرة لي من بعيد أثناء مسيري في السيارة. جمع من الرجال كانوا يحملون جثمانا، أوقفت السيارة، لأراقب ما يحدث، لم أر من قبل دفن ميت. أنزلوا الجثمان إلى الحفرة، وبدؤوا يهيلون التراب فوقه، معاول عدة بدت تردم القبر على عجل، حالة من الذهول عمت المكان عندما وقف رجل يبدو عليه الوقار على القبر، رفع رأسه وقد تقلص وجهه وتشنج عنقه، وكأنه ذئب يستعد للعواء، غطى وجهه براحتي يديه وأجهش بالبكاء، كان ذلك الرجل والدها! أمسك بيده رجل آخر وأبعده عن القبر، تركوها لوحدها ومضوا. ومضيت أنا أيضا ومعي صديقتي وقد تلونت ملامح وجهها وبدا عليها فزع يستعصي على الوصف. وصلنا إلى منزل الفراشة المقام على ربوة عالية في مدينة السلط، كانت السيدات يجلسن على مقاعد حمراء تم استئجارها، عدا أم الفراشة، التي خصصت لها مقعدا مختلفا في زاوية الصالة. بعض السيدات كن يتحدثن بصوت يسمع بالكاد. والبعض كن يثرثرن بصوت مسموع. علا صوت إحداهن، إذ قالت:

- الله يرحمها، والله لا يوجه له الخير الي دعسها!

- دعسها؟ قلت بصوت عال ممزوج برنة استهجان، ولم أتمالك تفسي، فقاطعتهن، مين الي اندعس؟

- ردت أخرى باستغراب، المرحومة!

- قالوا ماتت حرقا! ردت صديقتي بدهشة. وأجهشت بالبكاء حتى سمع من في المكان نشيجها.

كان للأصوات وقع مزدحم مترافق مع لغط مريب، وأحاديث جانبية عدة انطلقت في المكان. تارة (نامت وما قامت انجلطت صبية يا ويلّي عليها) وتارة (وهي تقطع الشارع دعسها واحد مسرع بسيارته وهرب وما لحقت توصل المستشفى). بيد أن الحديث الأكثر تداولا كان أن النار اشتعلت في جسدها  أثناء قلي البطاطا!

الوضع برمته لا يوحي بالاطمئنان ودموع الأم تحمل شيئا من التواطؤ، قلت لصديقتي. وتابعت، نعم فقد أخبرتني قبل أسبوع أنهم منعوها من الخروج عقابا لها لأنها تأخرت في العودة، سأتحدث مع والدتها. غمزتني بعينها أن (كفاك فضولا) وانصتي للشيخة!

وكانت الشيخة بحسب تعبير صديقتي، سيدة في منتصف العقد الخامس، ترتدي لباسا فضفاضا أسود، كانت تكثر في حديثها من ذكر الموت وتقلل من قيمة الدنيا، حكت قصصا كثيرة عن الجنة والنار والقبر وعن ضرورة الالتزام بالحجاب .. إلخ من كل ما هو متعارف عليه من أحاديث اعتدنا أو بالأحرى أجبرنا على سماعها في مثل هذه المناسبات التعسة.

بديش أسمعها.. قلت.. أنا، شو الله جابرني أسمع شي ما بدي أسمعه... ومين سمحلها تحكي أصلا! وعلى الرغم من أنها-الشيخة- شعرت باستيائي إلا أن ذلك لم يثنها، بل استمرت في حديثها وازدادت نبرة صوتها حدة كأنما توبخني.

ثمة أمور تحدث في هذي البلاد، يشعر المرء معها أن زمن الجاهلية لم ينته بعد. احتمال مفاجئ وجد في نفسي صدى مرعبا. هل قتلوها؟

شعرت أن قلبي بدل مكانه في تلك اللحظة التي راودتني فيها فكرة القتل. دهمني إحساس مفزع، ولم يخطر ببالي سوى الهروب -حينها- كنت متشبثة بالحياة. ما أغباني!

غادرنا المكان، كان الظلام حالكا، ركبنا السيارة منساقين وراء لافتات العزاء التي أضاءت أجزاء من الطريق. كلما مررت بواحدة، تلويت من فرط ثقل في قلبي. في الحقيقة لقد بت مصرة على الاستفسار من الأم. وتحت وطأة ذلك الثقل عدت إلى مكان العزاء.

- خالتو، يجب أن تقولي الحقيقة. (حرق، دهس، جلطة)..هذا ليس عدلا! من شو خايفة؟

- ليس عدلا! الحق معك، لكن ليس لدي تفسير. صمتت قليلا وأردفت بصوت راجف.. وبعدين شو اللي بده يخوفني؟

بعدما أنهت جملتها تلك، تأملتني طويلا، كانت تتعقب ملامح وجهي كمن ينتظر معجزة من السماء، شبكت كلتا يديها على صدرها، ثم رشقتني بنظرة غضب، وأشاحت بوجهها عني وبكت بحرقة.

ما الذي أبكاها؟

 

* مقالة خاصة بموقع تنوير الأردن


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top