رحيل "شاعر العودة" هارون هاشم رشيد
الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد

رحيل "شاعر العودة" هارون هاشم رشيد

عمان – تنوير

توفي الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد، صباح الإثنين، عن عمر ناهز 93 عاماً، بعد مسيرة أدبية حافلة في بلاد الغربة. 

 

 

ونعت وزارة الثقافة الفلسطينية الشاعر الكبير الذي وافته المنية في مغتربه في مدينة ميساساجا بكندا، الذي قضى حياته مناضلا ومكافحا ومثقفا كبيرا.

وقالت الوزاة في بيان على لسان وزيرها الروائي عاطف أبو سيف إن رحيل الشاعر الكبير هارون هاشم رشيد خسارة للثقافة الوطنية الفلسطينية والعربية، وتخسر فلسطين رمزا من رموزها الإبداعية وعلما من أعلامها النضالية الكفاحية، الذي كرس حياته وعمره من أجل الحرية والخلاص والعودة.  

وقال أبو سيف: "عزاؤنا بالفقيد الكبير ما تركه من أثر وإرث كبير في الثقافة والشعر والوعي للأجيال التي تحفظ اسم المناضل والشاعر الذي رهن حياته من أجل قضايا شعبه ووطنه".

الولادة في غزة 

ولد الشاعر هارون هاشم رشيد في حارة الزيتون بمدينة غزة عام 1927، وعاش بين أبوابها الكنعانية القديمة وبجوار جامع الشمعة الذي شهد تفجر روح المقاومة ضد الانتداب. 

كان الشاعر منذ البداية شاهدا على الأحداث، ومؤرخا لها عبر التطورات المتتالية التي مرت على المأساة الفلسطينية. 

وتعلم رشيد في مدارس غزة إلى أن حصل على شهادة المعلمين العليا التي أهلته للعمل في التدريس، لكنه بعد 6 سنوات قضاها في تلك المهنة انتقل للعمل الإذاعي رئيسا لمكتب إذاعة صوت العرب المصرية في غزة. 

وبقي في تلك الوظيفة معبرا عن هواه الناصري من خلالها، وهو الهوى الذي لم يتخل عنه حتى بعد أن ترك الإذاعة ليعمل مشرفا على إعلام منظمة التحرير الفلسطينية في قطاع غزة حتى العام 1967، حيث انتقل إلى القاهرة رئيسا لمكتب منظمة التحرير فيها، وبعدها عمل حتى تقاعده في جامعة الدول العربية. 

مسيرة شعرية 

أصدر هارون هاشم رشيد أكثر من 22 ديوانا شعريا بدأها عام 1954، وشعره مملوء بالرومانسية الوطنية التي تغنت بها الأجيال العربية من المحيط إلى الخليج، لما فيها من قدرة رائعة على استنهاض المشاعر والهمم، ومقت للغزاة، وعشق للحرية والحياة بشرف وكرامة، إضافة إلى عدد من المسرحيات الشعرية التي مزجت بين المتعة الفنية والقيمة الفكرية الوطنية الملتزمة. 

وعايش رشيد المأساة الفلسطينية منذ البداية، وكان شاهدا حيا على تتابع مراحلها المشبعة بالدراما والتي أسلمت الشعب الفلسطيني من نكبة إلى أخرى.  

وفي كل مرحلة من تلك المراحل كان الشاعر يراقب الأوضاع ويشارك فيها أحيانا، لكنه دائما كان يحتشد شعرا ويحاول أن يعيش فصول المأساة عبر الوزن والقافية والتفعيلة.

تدفقت قصائده لتصور ما يحدث وترسم ملامح المهجرين وتبشر بالعودة، وتصر عليها، فلم تكن العودة مجرد حلم بالنسبة لذلك الشاعر الحالم، بل حقيقة مؤجلة حتى حين طال الزمان الفلسطيني أو قصر، بحسب ما سبق أن كتبت عنه صحيفة "الصباح" الفلسطينية. 

دواوين شعرية ومسرحيات 

وفي عناوين دواوين هارون هاشم رشيد الشعرية الكثير مما يشي بأفكاره المنتشية بفكرة الوطن وحلم العودة إليه بالضرورة. 

فقد صدر ديوانه الأول بعنوان "الغرباء" العام 1954 قبل أن يتبعه بعدد كبير من الدواوين، منها: عودة الغرباء 1956, غزة في خط النار، حتى يعود شعبنا 1965, سفينة الغضب 1968، رحلة العاصفة 1969, فدائيون 1970، مفكرة عاشق 1980، يوميات الصمود والحزن 1983, ثورة الحجارة 1991, طيور الجنة 1998 وغيرها. 

لكن الشعر لم يكن كل شيء، فقد تداخلت الدوائر الإبداعية حول موهبته في الكتابة، فكتب عددا من المسرحيات الشعرية التي تحركت شخصياتها على عدد من المسارح المصرية بتوقيع فنانين كبار. 

وكتب روايات بالإضافة إلى بعض المسلسلات والأفلام التلفزيونية، وقد تمحورت كل هذه الإبداعات المختلفة حول قضية الشاعر وقضية شعبه المركزية، وكانت فلسطين هي الاسم والعنوان، وهي البداية والنهاية، وهي نقطة الانطلاق ومسك الخواتيم دائما. 

وكتب أيضاً 4 مسرحيات شعرية، مُثِل منها على المسرح في القاهرة مسرحية "السؤال" من بطولة كرم مطاوع وسهير المرشدي. وبعد حرب العبور 1973 كتب مسرحية "سقوط بارليف" وقٌدمت على المسرح القومي بالقاهرة عام 1974، ومسرحية "عصافير الشوك"، إضافة إلى العديد من المسلسلات والسباعيات التي كتبها لإذاعة "صوت العرب" المصرية وعدد من الإذاعات العربية. 

نبض الحماس الوطني 

يصفه الكاتب نعمان فيصل، بأنه واحد من أبرز الشعراء المعاصرين، الذي صور بقلمه أروع اللوحات الشعرية والأدبية التي تنبض بالحماس الوطني، وجسد أبلغ المعاني الوطنية الصادقة، وامتزج شعره بحب الوطن، واستطاع بأعماله الأدبية فضح القبح الإسرائيلي في حق قضيتنا. 

ووفق فيصل، قد كانت قصيدته "عائدون" شعاراً على كل لسان فلسطيني وعربي مخلص، حمل هموم فلسطين في كل مكان يهبط فيه، مغرداً بصوته ونبرته العالية؛ وهو يخاطب وطنه الذبيح "غزة" متذكراً لياليها وأيامها الجميلة، ومناظرها الخلابة، وطبيعتها الفتانة. 

مع الغرباء 

بدأ هارون هاشم رشيد كتابة الشعر مبكرا، لكن ديوانه الأول "مع الغرباء" صدر عام 1954، والذي تضمن قصيدة بعنوان "قصة" روى فيها مشاهداته هو وأمه اخوته الصغار لنسف بيوت حدث في غزة حيث كان عمره أحد عشر عاما، هذ الحدث الذي أسس في توجهه الفكري والسياسى، وقال في القصيدة: 

 

قصة قد حدثت بالأمس 

من عشرين عاما

حدثت في قريتي الخضراء

في أرض السلام

 

وآخر هذه القصيدة مقطع..

لن ينام الثأر في صدري

وإن طال مداه

لا ولن يهدأ في قلبي

وفي روحي صداه

صوت أمي لم يزل

في مسمع الدنيا صداه

وأبي ما زال في قلبي

وفي روحي صداه

إن تقدم ثابت الخطو

إلى الخير تقدم

وتعلم كيف تروي غلة الدم

بنيران ودم

 

هذه القصيدة التي تغنيها فادية كامل، وهذا هو شعاره الذي لم يتغير وأحد ثوابته التي حافظ عليها طوال حياته. 

وكان آخر دواوينه الشعرية، ديوان "قصائد فلسطينية" الذي صدر في عام 2002 بمناسبة اختيار عمان عاصمة للثقافة العربية. 

أشعار قدمها الغناء العربي 

وقدم أعلام الغناء العربي نحو 90 قصيدة من أشعاره، وفي مقدمتهم: فيروز، وفايدة كامل، ومحمد فوزي، وكارم محمود، ومحمد قنديل، ومحمد عبده، وطلال مداح، وآخرون. 

وقال الشاعر الفلسطيني في مقابلة إعلامية حول ذلك: "أحزاننا واحدة، وأفراحنا واحدة سواء كنا شعراء أو مطربين أو أي فئة اجتماعية أخرى، لقد بلغت فيروز الذروة حين غنت لي قصيدة (الغرباء) التي كتبتها عن اللاجئين مخيم البريج والتي تقول فيها: 

لماذا نحن يا أبتي

لماذا نحن أغراب

أما لنا بهذا الكون

أحباب وأصحاب

وأوضح: هذه الصرخة، وهذا التساؤل هو الدعوة إلى أن نخرج من هذه الغربة من أجل العودة إلى الوطن، وفيروز تألقت صوتا ولحنا، هذه هي الدعوة التي كنت أنادي بها وهي العودة إلى كل شبر من ارضنا.  

قصائد ملتهبة

وبسؤاله عن هذه القصائد الشعرية الملتهبة بنار الكفاح والمقاومة ومساهمتها في تأجيج الانتفاضة في الداخل، أم أن فعل الجماهير يسبق الشعر، والخطابات الحماسية؟ فأجاب الشاعر وقال: 

ربما أكون أكثر من كتب عن الانتفاضة من الشعراء، كنت أبشر بولادتها على أيدي الأجيال الحديثة، وأول ديوان أصدرته في تونس كان بعنوان "ثورة الحجارة" ثم أصدرت بعده مسرحية شعرية كاملة بعنوان "عصابة الشوق" وتتناول ثورة الحجارة والأبطال والعودة. 

وبسؤاله عن حفظ أشعاره عن ظهر قلب؟ أجاب: الشاعر لا يكبر ولا يشيخ لأنه كلما التهبت مشاعر هذا الشاعر كلما ازداد حيوية وشبابا، وصار أكثر تدفقا وحماسا مما يكون في ريعان الشباب، والذي يزيد من هذا الحماس ما نجده على أرض الواقع من تضحيات لشعبي، الذي وهبت له حياتي، وأوقفت عليه شعري ولم يخذلن، بل كان دائما فوق الكلمة وفوق الزعامة وفوق كل شيء. 

ألقاب وتسميات 

وأطلق عليه تسميات كثيرة عبر مشواره الشعري، شاعر فلسطين القومي، شاعر النكبة، شاعر العودة، شاعر الثأر، فأين هو من كل هؤلاء؟ يجيب الشاعر بنفسه فيقول: 

أنا خليط من كل هؤلاء الشعراء، لقد شاء الله أن يكون هناك تحول خطير في حياتي، وأن يصاب شعبي بنكبات متتالية، وتحتل غزة مرة كل عشر سنوات، لذا بقيت قريبا من اللاجئين وصوتا لهم. 

كانت تتبدد الآمال والأحلام حين يصاب الشعب بمثل هذه الضربات القاصمة، لكن سرعان ما ينهض كطائر الفينيق من تحت الرماد، حاولت أن أصور بكل ما أوتيت من صدق وقوة حياة اللاجئين ومأساتهم ومعاناتهم ولكنني كنت أشعل في نهاية الظلمة شمعة، أما في المرحلة الثانية فبدأت تتحول هذه الهواجس إلى المناداة بالعودة فصدر ديوان "عودة الغرباء" وفيه قصيدة "عائدون" التي أصبحت نشيد الشعب الفلسطيني.

ونال الشاعر الفلسطيني الكبير هارون هاشم الرشيد العديد من الجوائز، منها جائزة مهرجان الشارقة للشعر العربي في عام 2014، بالتزامن مع صدور ديوانه الثلاثين "أحبك يا قدس"، والطبعة الأولى من أعماله المسرحية.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top