ما هي مهمة المثقف؟ | جمال القيسي

ما هي مهمة المثقف؟

جمال القيسي

 

(إن مهمة المثقف تعكير صفو السلطة) يقول إداود سعيد، ويؤيده في ذلك، أو يشرح تلك الكيفية عبد الوهاب المسيري حين يقول: (المثقف مكانه في الشارع)! عندها فقط يحافظ المثقف على مكانته ويكون جديرا بلقبه وقلمه ومكانته، وبخلاف ذلك، لن يجد ذاك (المثقف) نفسه إلا ضمن فئة المقصودين لدى محمد أركون، وما وراء واقع أن: (السياسي العربي ينظر إلى (المثقف) بازدراء)!   

  لا ريب أن مثقف سعيد والمسيري، ليس هو مطلقا المثقف الذي تقصّده أركون؛ ذلك أن المثقف الذي نذر نفسه لتعكير صفو السلطة هو المثقف القابض على جمر دوره المعرفي، وتعكير صفو السلطة في طليعة هذه الأدوار؛ والتعكير، هنا، يأتي بمعنى الإلحاح على السلطة لتقديم الأداء الأفضل، وبمفهوم الرقابة الحقيقية الخالية من الأغراض والشخصنة. ولا ينبغي للمثقف السماح للسياسي بالتراخي لحظة، دون أن يحرك مياهه بالمعارضة؛ فعلم السياسة والتاريخ يجزمان أن السلطة إذا صفى ماؤها استبدت وفسدت.

  من المؤكد أن المثقف حين يمارس المهمة الجليلة المتمثلة في تعكير صفو السلطة عليه أن يكون في الشارع، كما قال المسيري؛ أي ناطق باسم الجماهير، حيث هو لسانهم السليط، وقلمهم الحاد، ولا حبر لقلمه إلا من دواة الشعب، ولا خطاب موجها ومركزا ومتقنا لغير هموم الجموع على اختلاف الطبقات حتى لو كنت تختلف معها أو على النقيض ايديولوجيا، كما أسلفنا.     

وعليه، أي المثقف، أن لا يستسلم لمخرجات السياسة الداخلية والخارجية المنافية للعدالة وقيم الحرية وحق التعبير وأن لا يقبل بما تتذرع به السلطة من واقع سياسي خارجي بذريعة التوازنات والظروف، بل عليه التصدي لكل ما ينال من الهوية والكينونة، والمثابرة بكل الطرق السلمية لها لدحضها وكشف مستورها، وإبطال زيفها، وإظهار مدى سفحها للحقيقة والكرامة والحرية والتفكير المستقل.

ويقع على المثقف التماهي مع هذا الدور الريادي الذي هو دوره وليس دور السياسي، كونه المؤتمن، افتراضا وأخلاقا للانبراء للدفاع عن منظومة القيم العليا في مجتمعه، بمكوناتها الثقافية الكلية، بما في ذلك الدينية منها.  

 ولأن المثقف يدرك هذا الدور والنهج وأنه مفترض فيه وواجب أخلاقي ملقى على كاهله، فإنه يعي أن مهمته، هو لا سواه، درء الأهوال التي تضرب بما حوله من بنى اجتماعية واقتصادية وحتى نفسية، نتيجة تهافت و/أو ضعف السياسي، وما هو عليه من حالة انعدام في الوزن، وضعف مقاومة، كما يفترض به الإحاطة بحثيقة أن السياسي العربي مأزوم في واقعه، وفي مكانة لا يحسد عليها عالميا وتاريخيا، ويبدو جليا أنه لا يخفي رضوخه للراهن في السياسة والاقتصاد عالميا، ولا يستطيع له دفعا، ولا غرابة منه حين يصدر أزماته (الخارجية) إلى (الداخل)، ولكن هذه المعادلة لا تجد قشا تحرقه من غير بيادر المهمشين والمسحوقين في المجتمع، الذي ليس لهم صوت غير صوت المثقف الحقيقي الحر.  

وللحديث بقية.​


مقالات ذات صلة

تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top