صديقي الذي لم نلتق

تواصل معنا

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

الشاعر المصري سامح محجوب

صديقي الذي لم نلتق

عمان – تنوير

سامح محجوب

“لا أطمع فى شيء ، لا أخاف من شيء، أنا حُرّ” أظن أن جملة كازنتزاكس كانت ماثلة بكامل تجريديتها وهيبتها اللغوية والدلالية أمام أمجد ناصر وهو يحدِّقُ فى عيني الموت متعاليًا على حضوره وسطوته كأنه يدلُّه على مكانه ويشرح له طبيعة الجغرافيا التي عليه أن يسلكها فى رحلة الوصول إليه ، أمجد ناصر الذي تخلَّص منذ صباه من وطأة الجغرافيا وشروطها ، أمجد ناصر العروبي على طريقته الذي اختار المقاومة الفلسطينية قضية إنسانية لا ايدلوجية واختار المنفى جغرافية بديلة لا وطنًا بديلا، جدير به الآن أن يُحدِّق فى عيني الموت وينهره، وجدير بِنَا أن نصدقه ونحدق معه، لم نلتق ولم نتحدث رغم صداقتنا الإفتراضية عبر الفضاء الأزرق منذ سنوات، لكنني كنت أنصت له جيدًا عندما يكتب أو يتحدث لثقتي التامة فى أنه يعبر عن نفسه بوعي وصدق ونزاهة لا تتوفر فى كثيرين ممن عاشوا ظروفه الحياتية والمهنية فلوثتهم التوازنات وتبادل المصالح ورهانات الأضواء والظلال صديقي الشاعر الذي لم نلتق، الآن فقط وبعدما نشرت بكل جسارة منفيستو الرحيل ، الآن أدركت سرَّ تلك العرامة اللغوية التى حافظت عليها حتى فى مقالاتك، العرامة التي تشي بصاحبها مهما حاول أن يرتدي أقنعة سكان الأساطير العرامة والحدَّة التي تخرجك تمامًا من رمادية وحيادية أنصاف الحلول ،وأنصاف الموهوبين ،وأنصاف العشاق ، اللغة يا صديقي ولا شىء غيرها يقدر على ذلك، اللغة ناصبة الفخاخ وكاشفة الأسرار، وأبرز ما يميز تجربتك شديدة الخصوصية والثراء . اللغة التي تنفث فى روعها من حزنك وفرحك وطفولتك ونزقك جاعلا من صلصالها حيوات دافئة وصاخبة، وكأنك تقول لكل من كتبوا قصيدة النثر وأداروا ظهورهم لشعرية اللغة، الشعر سؤال اللغة الدائم، لن تنفذوا للشعر خيالا ومجازا إلا من خلال اللغة، من ثمَّ -وأنت الكائن المسكون بالقلق والحيرة والإغتراب -كان لابد أن تذهب بك اللغة التى خضت بها كل حروب المجاز عبر مجموعاتك الشعرية ( مديح لمقهى آخر، منذ جلعاد كان يصعد الجبل، رعاة العزلة، حياة كسرد متقطع، سُر من رآك) كان لابد أن تذهب بك للسرد لتعلن عن نفسها فى فضاء آخر لا يتحمل كثافتها وثقل دلالتها الذي تمارسه فى النص الشعري، فكانت تجاربك فى كتابة أدب الرحلات والرواية ( خبط الأجنحة، فى بلاد ماركيز، حيث لاتسقط الأمطار، هنا الوردة ) صديقي الذي لم نلتق لو لم نجد أنفسنا فى نصوصك ما كنّا هنا الآن نقف على حافتك التي تسعنا جميعا ، لو لم نرى أبعادنا ونشبع بصيرتنا فى نصوصك ما كنّا هنا ، لو لم نقف على تخوم الحداثة فى أصفى وأشجع تمثلاتها وتجلياتها ما كنّا هنا ، لو لم تكن أحد رهاناتنا الكبيرة ما كنّا هنا ، صديقي الذي لم نلتق حدِّق فى عيني الوقت وضاجع الحياة ما استطعت لها سبيلا، أيها الباذخ إنسانية وإبداعاً، حدِّق بقوة فنحن نحدق معك .

 

 
شاعر مصري


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top