مشهور حديثة.. الجندي والإنسان

تواصل معنا

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

مشهور حديثة الجازي- قائد معركة الكرامة

مشهور حديثة.. الجندي والإنسان

تنوير – خاص

لارا مصطفى صالح

 

قبل تسع عشرة سنة أغمض بطل الكرامة مشهور حديثة الجازي عينيه لينام قرير العين. ترجل الفارس الذي ارتبط اسمه إلى الأبد بمواكب الخالدين بالحادي والعشرين من آذار في كل عام أردني مجيد.

 

ليس من قبيل الصدفة أنه ولد سنة انعقاد المؤتمر الوطني الأردني الأول العام 1928  وحضره 150 من السياسيين الأردنيين والزعماء والشيوخ والأدباء الذين يمثلون مناطق الأردن كافة.

في ذلك العام في الجنوب هناك في مضارب عشيرة الحويطات ولد ونشأ في كنف جده حمد الجازي (شيخ مشايخ الحويطات)، فكان ابن مروءة أخلاق البادية وسليل صلابتها وكبريائها.

حظي بفرصة التعليم المبكر لكن معلمه الأول كان الشيخ حمد الجازي الذي كان يدنيه منه ويختصه بالقرب؛ ولا يبعده عن مجلسه الحافل بالضيوف من غرب النهر؛ مجاهدين ومشاريع شهداء فسجلت ذاكرته التي اتقدت مبكرا وعيا بقضية فلسطين.

في مطلع الأربعينات كان كلوب باشا الضابط الإنجليزي والقائد المنتدب، ينشد التحالفات والعلاقات مع العشائر والقوى السياسية. وفيما كان كلوب في زيارة للشيخ حمد الجازي، همس الفتى مشهور لجده برغبته العارمة في الالتحاق بالجيش. 

التحق بقوة البادية العام 1943 لثلاث سنوات، وشارك في دورة تأهيل مرشحين عام 1947. وبين معسكرات عمان والمفرق تفوق مشهور ونما وعيه السياسي وتفتحت مداركه أكثر لعوامل كثيرة، لكن عزمه اشتد واستوت روحه على بسالتها باستشهاد خاله في معركة باب الواد وهي إحدى معارك القدس في حرب 1948 ووقعت بعد أيام من معركة اللطرون.

التحق بكتيبة المشاة الثانية لينضم فيما بعد إلى (حركة الضباط الأحرار) التي كانت تهدف إلى تعريب قيادة الجيش، وبذريعة مواجهة المد الشيوعي ضغطت الولايات المتحدة وبريطانيا لإنشاء حلف بغداد سنة 1955 الذي ضم العراق وتركيا وعددا من الدول العربية إضافة إلى إسرائيل، إلا أن المظاهرات التي عمت أرجاء الأردن أسقطت الحكومة التي انضمت لحلف بغداد، وكان مشهور حديثة من ضمن الضباط الذي رفضوا الانصياع للأوامر الإنجليزية بفض المظاهرات بالسلاح.

خدم الجيش العربي في مسقط قلبه فلسطين وقلبه لا ينسى حرب 1948 التي قاتل وجرح فيها. ظل قريبا من ضواحي القدس التي أحبها وسكنته ومنها اختار شريكة عمره السيدة يسرا عوض، الفلاحة الفلسطينية التي خطبها من والدها وهي في السابعة عشرة فقال له والدها: "البنت زغيرة. ما بتعرف تقلي بيضة! فرد عليه الرجل المشهور، بالنكتة الحاضرة: "أنا بقلي البيضة عنها"! 

نال شهادة البكالوريوس في العلوم العسكرية عند تخرجه من كلية الأركان الباكستانية العام 1958 وتدرج عن كفاءة واستحقاق فتقلد منصب رئيس الأركان والقائد العام للجيش وهو في الثانية والأربعين. 

أسندت إلى مشهور حديثة مهمة إعادة تنظيم القوات الأردنية المتراجعة من الضفة الغربية إثر هزيمة حزيران 1967، إذ كانت روح الهزيمة وفقدان الثقة تسيطران على الجنود والضباط والمواطنين على حد سواء. وحينها قال الجازي القائد: "عاكسنا كل القوانين التي تمنع الجندي المنسحب من القتال، كل ذلك كي يستعيد الجنود ثقتهم بأنفسهم وبوطنهم".

في العام 1968، كان مشهور حديثة قائدا للفرقة الأولى التي صدت العدوان الإسرائيلي في معركة الكرامة. يقول القائد مشهور حديثة: "الهدف الأساسي من الهجوم كان القضاء على الحركة الفدائية في مهدها، فتم التنسيق بيننا لوضع مناطق تواجد الفدائيين ضمن المناطق التي يتوجب حمايتها وضمن انتشار نيران المدفعية وحركة الدبابات".

بعبور أول دبابة إسرائيلية الجسر أصدر بطل الكرامة أوامره بحشد القوات مع المواطنين من سكان المنطقة الذين تم تزويدهم بأسلحة مضادة للدروع، وهنا يقول: "التحم الجندي مع الفدائي مع المزارع، وسالت الدماء الأردنية والفلسطينية في وادي الأردن  الأخضر دفاعا عن تراب الوطن". 

استبسل المقاتلون بصمود ملحمي في وجه الغارات الإسرائيلية دون أي غطاء جوي، وواصلوا قصف تجمعات الجيش الإسرائيلي حتى لا يمنحوه حرية الانسحاب بسلام رغم ورود أخبار تفيد أن إسرائيل ترغب في وقف إطلاق النار.

قاد التفاوض مع الفدائيين الفلسطينيين الذين اختطفوا الطائرات قبل أحداث أيلول في العام 1970، إذ نجح حينها القائد الجازي، بإطلاق سراح جميع الرهائن، كما قاد عمليات التفاوض إثر احتجاز الفدائيين 57 صحافيا أجنبيا في فندق كونتيننتال ونجح في إطلاق سراحهم أيضا. 

 

يقول نجله الدكتور عمر الجازي في حديثه مع موقع تنوير الأردن: "كان والدي عدة أشخاص في شخص؛ إضافة إلى كونه عسكريا منضبطا فإنه لم يندم على حرب أنضجته، كان مزيجا متفردا بين البداوة والمدنية، فكان من جانب مثل (قصيد هجيني أصيلة)، ومن جانب آخر رياضيا معتدلا في أفكاره وعباداته، لم يتطرف إلا في الثوابت الوطنية فلم يهادن بها مطلقا. رفيق سفر ممتع جدا، نقي السريرة ومتواضع في جوانب حياته كافة.

شخصيته القوية، وعناده في الحق، فيها شخصيته المليئة بالحنان والدعابة أيضا، فكان مرحا وصاحب نكتة، مولعا بالقراءة وشغوفا بالموسيقا، ويستمع لأم كلثوم ومحبا للعائلة.

يتابع: "زرع والدي فينا حب العائلة، فكانت علاقتنا فيه استثنائية كما كانت علاقته بوالديه، وعلاقته بوالدتي: "لم يدعها تنم غاضبة يوما، كان رومانسيا، حليما ويقدر المرأة بشكل لافت، ومنصفا بين أبنائه"

ثم يصف علاقة والده بالأرض، فيقول: "كان ملتصقا بالأرض محبا للزراعة. وعن ذكرياتهم، يتابع، لدينا مزرعة اسمها (الكرامة) في وادي اليابس القريب من فلسطين، لم أدرك عشق والدي لها  إلا بعد أن أصبحنا نزرع بأيدينا، ونتحدث إلى الأشجار ونمنحها أسماء".

ثم يشير الدكتور عمر إلى شجرتين طيبتين في مزرعة الكرامة: "تحضرني هنا شجرة زيتون قديمة جدا زرعتها بيدي وأسميتها (الباشا 505) تيمنا برقم والدي العسكري. وها هي اليوم الشجرة 505  ما تزال تعانق شجرة (يسرا).

 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top