تيسير سبول.. أنت حتى اليوم | جمال القيسي

تواصل معنا

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

تيسير سبول.. أنت حتى اليوم

جمال القيسي

مساء الخير يا تيسير سبول. والخير يعني أشجار روحك الكبيرة العالية المبدعة. ذاتك المنيعة الصلبة العزيزة الشامخة الحرة. مساء تنهدات روحك وزفرات صدرك التي لم تجد صدى في قلب أحد من البشر، فآثرت ردا على هذا البرود دفءَ الصمتِ الأبديّ في تشرين هربا من صقيع أكتوبر ورفضت دور الصفر في (مباحثات الكيلو 101) .

بالمناسبة يا صديقي. المسافة الجغرافية بين غزة ورام الله 101 كم بالضبط!

 لم تكن ضعيف القلب يوما إزاء أشد الظروف قسوة، وما اخترت الرحيل من كثرة الأعباء اليومية الحياتية أو عدم احتمال عذاب حمق المواجهات الاجتماعية، بل قررته كفعل احتجاج سياسي ورفض ينم عن روحك المثقلة بالحلم والتغيير وتحت أثقال الغربة والوحشة من خراب العالم الذي ظلت روحك تتمنى لو كان أجمل. فاخترت الرحيل صوب عالم أجمل.

سأظل أستمد العزم من بسالة روحك النقية الرقيقة الندية النازفة للمرأة البعيدة القريبة وأنت تهذي لها بفخر وتنشج أجمل مقاطع الوعي والنقاء!

ها هو قلبي يسمعك وأنت تشكو لها وعثاء معركة الوعي والنقاء فتجهش:   

"فدعي يا أنتِ.. يا أنتِ الملامةَ

لست أبكي لعذاب الصلبِ مرحى لصليبي

أنا أبكي محنة الوحشة في صدر الغريبِ"!

 لكم قست رقتك على روح فتى طري القلب ما يزال في المرحلة الثانوية؛ قرأ شعرك فحفظه عن ظهر قلب وأحب كل ما قلت، ولم ينس منه شيئا حتى اليوم. لكم أعاد الفتى قراءة رائعتك "أنت منذ اليوم" مرات عديدة، وحفظ منها، وما يزال مقاطع طويلة حرفيا؛ للرمزية العميقة المواربة المتوارية في المونولوج الداخلي تحديدا، وللتفرد المبكر في التجريب،

 إلى زمن ما، كنت أظن أني مشدود للرواية لأسباب شخصية، وليس لكونها رواية كسرت تقاليد الرتابة في الكتابة الروائية الأردنية العربية وعلى يد شاب في التاسعة والعشرين قرر الرحيل في الرابعة والثلاثين.

كنت أظن ذلك فقط بحكم (نوستالجيا) مقيمة في داخلي تأبى الرحيل، أو بحكم محبتي العارمة لك، واحترامي الجم، وعتبي المر عليك وعلى تلك الظهيرة. بإمكانك أن تعتبره عتب صديق على صديق لم يره يوما رأي العين بل رؤيا القلب، أو عتب الابن على أبيه!

لكم سمعت نداءات حبيبتك وهي ترثيك ليلة رحيلك:

"تتضور روحي فأنادي:

لو أنت تمهّلتّ الليلة

‏لو صدرك يحضنني الليلة

كنا ثرثرنا وكذبنا

‏وزعمنا خيط العتم شعاع

لو أنك ....

لكن وآ أسفا

كلّ منا قال وداع"!

 صوت من هذه يا صديقي. صوت حبيبتك أم حبيبتي؟! أم صوت الحياة التي تستمهلنا كي نعب من كوثر أنهارها، ورقراق ماء المواعيد، وحين نصدق صوتها تطردنا خلف أسوارها بكل لؤم وقسوة!

أنت لم تنتحر يا صديقي بل اختنقت!

خنقتك الدموع التي كتمتها في قلبك؟ عزّت عليك نفسك.  فما كنت منهم بالعيش فيهم ولكن معدن الذهب الرغام.. لذلك قررت الرحيل.

 لم تنتحر بل قتلك الأحبة القساة.

 أين كان الأصدقاء الرقيقون من الشعراء والكتاب عن بنفسج روحك وهي تطاعن خيلا من فوارسها الدهر!  أين منك يومها كل من هرعوا ظهرا على صوت زجاج قلبك الذي تكسر فتأثروا لسوء المنقلب والخاتمة، ثم أسر بعضهم في نفوسهم القول: (انكسر الشر)!

صديقي العزيز تيسير سبول. كنت أظن أني قرأت شعرك كله حتى جمعتني الأيام بصديقة ما أزال أحب فيها الوعي والنقاء والشجاعة والوفاء. تلك لا بل هذه الصديقة تحب صوتي في إلقاء الشعر. وشعرك تحديدا. اكتشفت متأخرا لماذا كانت تحب أن أقرأ لها من شعرك بالذات حين ترقرقت عيناها بالدمع حين كنت أقرأ لك:

"صديقتي

كل العيون ها هنا حزينة

فالحزن قد غزا المدينة

جنوده الأقزام تسلقوا البيوت

وحل في آفاقنا سكوت"

فباحت أنها ستطلعني على سر يتعلق بك!  

دلفت الصديقة إلى الداخل ثم مكثت وقتا غير قليل ثم عادت وقد بدا على وجهها آثار نوبة بكاء وهي تحمل ورقة عمرها سنوات من الوفاء والذكريات والحنين.

 بخط يدك المعروف لدي قرأت:  

إلى ...

  "تعبتُ.. تعبتُ يا دادا

بكيتُ بكيت

ومجروح الفؤاد أتيت فضمّيني

استبيحي حرمةَ الأحزان في قلبي

أنا المطرود من دربٍ إلى دربي

بأيدي صفوةُ الصحب!

دمي المطلوب يا دادا

ولو مرّة

دعيني أتّكي مرة!

على كتفيكِ أنسى مرارة الحسرة

وكوني لي صليبي

لأنزف قطرةً قطرة

لآخر قطرةٍ أهواه

ثم عليه أنكفئ

تعبتُ تعبتُ يا دادا"!

  

 

  

 

 

 

 

 

 

 


مقالات ذات صلة

تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top