سيرة الحرف.. أحمد الطراونة

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

الروائي أحمد الطراونة

سيرة الحرف.. أحمد الطراونة

عمان – تنوير

حاوره سليم النجار

روائي أردني يقطن في منطقة إبداعية بعيدة وغامضة، يراود فكرته بمكر ويتحايل على أوجاعه العتيقة فيرسلها صورا إبداعية ناضجة. 

نذهب معه إلى تفاصيل حياتية؛ ومراحل عمرية وأدبية؛ لم تتوفر عنه بسهولة عنه؛ خاصة للقارئ العربي؛ للوقوف على عمق هذه التجربة الروائية٠ 

كتب بلغة بالغة الخصوصية المحلية؛ وفي أغلب الأحيان، مبتعدا عن الفكرة المركزية برسم صور مُلغَزة، واجتراح عناوين تدفع إلى النظر النقدي عبر مرآة محدبة في خفايا النفس البشرية. 

في روايته الأولى "وادي الصفصافة" ألقى القبض على التاريخ، وأفلته في صفحاتها، ليعيد  بؤرة الحياة في خربة عتيقة نبض فيها العالم وعيه عبر روايته الثانية "خبز وشاي"، فتماهى مع التاريخ والحاضر، وقدم فلسفة واضحة للقادم.

في هذا الحوار نحاول أن نكتشف جانبا جديدا من أحمد الطروانة  الروائي والصحفي .

 

*نتيجة تطور المنظور المعاصر حول التاريخ والهوية ؛ هل هناك مشروع واضح المعالم لمشروع الاحتفال  لمئوية الدولة الأردنية ؟

 لست بموقع المسؤولية، ولم تسنح لي فرصة الاطلاع على الخطط  بشكل مفصل في ما بالاحتفال بالمئوية، وهذا يدفعني لأن أضيف سؤال أخر على سؤالك ينبت من الوعي بهذا السؤال ومآلاته، وهو كيف ننظر للهوية، وكيف يمكن أن نعاينها من وجهات نظر مختلفة منها التاريخية والإنسانية والاجتماعية، فلكل فلك مداراته التي تمثل خط سيره، وهذا يقود إلى سؤال أخر أيضا: من هو المعني برسم وتحديد مسارات كل فلك من هذه الأفلاك وغيرها لخلق حالة واعية بالتاريخ والإنسان والجغرافيا وصيرورة الحياة على هذه البقعة من الأرض، وهل يكفي الاحتفال بمائة عام من عمر هذه الأرض وهذا الإنسان والجغرافيا، وهل نتوقف عن البحث ما قبل المائة عام، وهنا أريد أن أوضح أن المائة عام هي عمر الدولة الأردنية الحديثة والتي جاءت بأنساق قومية عربية واضحة كان منطلقها الأول الثورة العربية الكبرى والتي انطلقت كمشروع لأمة وليس لدولة، إلا أن المؤامرات التي حيكت ضد هذه الثورة وأسهمت في ارتدادها يجعلنا نقف أيضا عند منطلق آخر للدولة الأردنية الحديثة، والتي تحتفل قريبا بمرور مئة عام على بدايات تأسيسها، هو نظامها الهاشمي الذي ارتكز في حكمه على العديد من البنى الإنسانية والاجتماعية التي صاغت عقدها الاجتماعي الأول وأسهمت في ترسيخه ليكون النظام الأكثر ديمومة وحضورا رغم كل ما واجه ويواجه من تحديات على الصعيد العالمي والعربي والداخلي، إلا انه أثبت قدرته على الثبات وهذا جزء مهم في صياغة ما يمكن أن يصاغ في مقبل الأيام من لحظة احتفالية في تاريخ الدولة لكنها يجب  أن نقرأها بوعي بخصوص ما تم إنجازه ومراكمته على الصعد كافة وصولا إلى استطلاع شفيف لمستقبل يمكن أن يقرأ بسهولة لزمن امتد أكثر من مئة عام وارتكزت خلاله العديد من القيم في ممارسة الحكم وإعادة إنتاج الحياة وبما يتوافق وكل الظروف.

يحق للدولة الأردنية التي مر على تأسيسها مئة عام أن  تحتفل، ويحق لأهلنا في الأردن أن يحتفلوا بمائة عام من الاستقرار والتطور والبناء، ولعل هذا الحق يفرض علينا أن نعي فكرة الاحتفال وان نصنع منها لحظة اطمئنان لمستقبل مشرق، وليس فقط تقديم التاريخ على الرغم من أهميته، لذلك بدأت الحكومة الأردنية بوضع استراتيجية لهذه الاحتفالية وبدأت بوضع الخطط بعد أن تشكلت في الحكومة وبرئاسة رئيس الحكومة لجنة عليا للاحتفالية، ووضع خطة وطنية شاملة سيكون أساسها الانزياح باتجاه الجانب الثقافي نظرا لأهميته في تشكيل مفهوم القيم الإنسانية والتركيز على الهوية والبناءات الاجتماعية في سياق المائة عام، واعتقد أن وزارة الثقافة بدأت بوضع الخطط واقتراح المشاريع في كل المواضيع الثقافية المختلفة، لكن ما يزال الأمر غير واضح ولم يظهر أي شيء للإعلام حول ما تم إنجازه أو الاتفاق عليه.

لذلك، على من يقومون على هذا الاحتفالية الانتباه لأهمية أن تشتمل الخطة على محاور أساسية، منها ما يتعلق بالبناء الرمزي والمعنوي للمجتمع الأردني ومنها ما يتعلق بالفعاليات والأنشطة والمشاريع والبرامج المستدامة في مختلف القطاعات الثقافية سواء في المسرح والموسيقى والغناء والنشر والتأليف وإثراء المحتوى الثقافي الوطني على الانترنت، في الدراما والسينما، والتوثيق للأردن عبر هذه الفترة، وهذا يحتاج لروافع قوية.

 

*لم نعد نعيش في مجتمع مكوَّن من بشر ؛ بل في مجتمع تشكله الثقافة ؛ أين المشروع الثقافي للدولة الأردنية ؟

أوافقك أننا لسنا مجتمعا رقميا، ولا مجتمعا استورد قيمه التي تنظم صيرورته من الخارج، وإنما مجتمع عربي أصيل يشكل هويته من خلال ديناميكية الهوية العربية وتطورها، والتي ترتكز رغم حيويتها على ثوابت مهمة نتفق عليها جميعا في المجتمعات العربية، ومنها اللغة والتاريخ المشترك والجغرافيا والدين وغيرها، وفي الأردن نحن ننتمي بهويتنا  إلى الهوية الجامعة التي ننتسب اليها، ورغم ذلك هنالك خصوصية ثقافية يتميز بها الشعب الأردني عن غيره من الشعوب العربية أو شعوب العالم فرضتها الظروف المختلفة.

في المائة سنة الماضية من عمر الدولة الأردنية الحديثة تشكل المشروع الثقافي على هذه الهوية، وامتد منها، ورغم ذلك لم يغفل خصوصيته وتفاصيله التي جاءت من البنى الاجتماعية المختلفة، فكانت الثقافة منذ ديوان الملك المؤسس ركيزة في هذا البناء الاجتماعي وتطورت مع تطوره، فكان هنالك العديد من الأوائل المؤسسين في هذا الفعل الثقافي من أبو الشعر والمحيسن والحيحي مرورا بروكس العزيزي وليس انتهاء بما يقدم الآن من تصورات عن هذا المشروع والاشتباك معه بكل الأدوات المتاحة رغم تراجع بعضها عن دوره لاحقا.

إذا المشروع الثقافي حاضر في الدولة الأردنية منذ تأسيسها، وأنتج خطابا مهما في بدايات الدولة الأردنية وكان نموذجا مهما ضمن الخطابات الثقافية العربية الطالعة من الإرث نفسه، إلا أن المشروع السياسي أحيانا يخطف الأنظار ويبعدها عن غيره بسبب ما مر على الحالة العربية بكل تفاصيلها من تطورات وانتكاسات، الأمر الذي أخفى الخطاب الثقافي الواعي الذي كان يمكن أن يحمل خطاب الأمة برمته، لكنه توارى خلف الخطاب السياسي، وهذا سر تراجعه ووضعه الآن في أخر سلم الأولويات، الأمر الذي يجعلنا نرفع أصواتنا لإعادة الاعتبار للثقافة لتكون هي الرافعة الأولى للحياة.  

وأختم بالقول إن وزارة الثقافة لا تستطيع أن تحمل هذا المشروع وحدها في ظل غياب القطاع الخاص وانسحابه من المشهد نهائيا، لذلك وكي يتشكّل لدينا مشروع ثقافي واضح يجب أن يأتي الاهتمام بالشأن الثقافة من المستويات والمرجعيات العليا بالنظر إلى المكانة العليا الثقافة في البناء الإنساني من حيث الوعي والتأثير. أتمنى أن تكون هذه الاحتفالية بادرة خير للانطلاق نحو المشروع الثقافي برؤى وأدوات جديدة. 

 *التعليم السّريع يحلّ محلّ التعليم المتُروّي، والأنترنت بدل الكتاب، ويمر التعليم بطفرات متلاحقة٠ في ظل هذا الواقع الجديد؛ تُرى هناك رؤى محدّدة حول هذا العالم الجديد في ظل الاحتفال بمئوية الدولة الأردنية ؟

لابد من الانتباه إلى ضرورة العودة إلى الكتاب، لا نستطيع الاستغناء عن الكتاب مهما كانت الطفرات أو التطورات المتلاحقة، وهذا يجعلنا أمام مهمة واضحة لابد أن تكون ضمن مهمات الاحتفالية الجديدة، هذه المهمة تأخذ على عاتقها تطوير فكرة حضور الكتاب في حياتنا، إن لجهة توزيعه ورقيا أو توزيعه الكترونيا وبالترافق معا، وهذا يتطلب أن يكون هنالك وضمن المئوية تدشين مكتبات في كل بلدة، وان يكون هنالك إعادة إنتاج للكتاب التاريخي الذي يقرأ تاريخ الأردن بكل عصوره ومراحل تطوره انتهاء بالدولة الأردنية الحديثة، فالأردن يستند إلى آلاف السنين التي بنا الإنسان فيها حضارة إنسانية عالية، وهذا تؤكده كتب التاريخ المستندة إلى أبحاث دقيقة وتؤكده الكتب السماوية، وتؤكده الأساطير والحكايات، فهذه الدولة كانت وما تزال مركزا حضاريا تدور في فلكه الحضارات، وهنا يجب على المئوية أن تنتبه لذلك، وان تستكتب المعنيين في الفترات التاريخية التي أغفلها المؤرخون وان تكتب عن كل تفاصيل الأردن، وهذا يحتاج إلى دار نشر وطنية تقوم بهذه المهمة وتحمل على عاتقها تقديم صورة الأردن على مر التاريخ.

كل ذلك يحتاج إلى لجان تعمل على ذلك وان لا يتم استنساخ ما هو موجود حتى لا تتعارض الأهداف ونقف عند نقاط الخلاف ولا نتجاوزها.

 *تشكِّل الأحداث اليوم موضوعات أنية وفورية لوسائل الإعلام؛ وتغدو موضوعات يجري تناولها بصور متعددة؛ وأحيانا متناقضة وتُقدَّم بشأنها قراءات مختلفة وهي؛ بذلك؛ تطرح نفسها على طاولات نقاشات الإعلاميين الأردنيين ؛ لتجاوز القراءة الاستهلاكية للحدث. هل نملك مشروعا إعلاميا لتقديم الأردن بالشكل الصحيح؟

المشروع الإعلامي ضرورة ملحة لدولة تجاوز عمرها المائة عام، لكننا للأسف ما نزال نراوح مكاننا، فكل وزير إعلام يقدم خطة خاصة به تنتهي بخروجه من الوزارة، وهذا جعل الحالة الإعلامية في هلامية غير واضحة المعالم، الأمر الذي جعل الإعلام مهنة من لا مهنة له، فتقدم الإعلامي الأجوف صاحب الصوت العالي على الإعلامي المثقف، وهذا يقودنا إلى أهمية المشروع الثقافي الذي ينبثق منه المشروع الإعلامي، فالإعلام رافعة للفعل الثقافي، والإعلامي المثقف جزء من المشروع الثقافي وناطق باسمه، لكن للأسف هذا لم يعد موجودا، وعلى الدولة الأردنية في هذه اللحظة أن تضع نصب عينها إعادة تأهيل الإعلام بما يسمح بحرية المعلومة للصحفي المعني وتطوير أنساق نشرها بما لا يتوافق وتقييد الحرية وبما يضمن أيضا أن لا نكون تحت رحمة إعلام الشارع القاتل، وهذا يتطلب حرصا من الدولة بكل أدواتها، وزارة الإعلام، نقابة الصحفيين، وسائل الإعلام المختلفة، الجهات التشريعية، أن تصوغ بمناسبة المئوية لحظة تصالح وطنية على المشروع الإعلامي لننطلق فيه إلى مئوية أخرى نكون فيها أكثر تصالحا مع أنفسنا.

 

*اعتبر الغرب (الاستعماري) الإسلام خطرًا مميتًا في خطورته أي عدو آخر؛ بدءًا بالإمبراطورية الفارسية ومرورًا بالإمبراطورية العثمانية ؛ وبجميع أعدائه على مدى التاريخ المتطاول من القرن السابع إلى القرن الحادي والعشرين٠ وقد رأى الغرب (الاستعماري) في الإسلام عدوه الداخلي والخارجي؛ فكيف يمكن تغيير هذه الصورة وتقديم مشروع ثقافي عربي أردني مغاير لهذه الصورة النمطية؟

(الإسلام والآخر) عنوان كبير لم تستطع الفترات التاريخية الإسلامية المتلاحقة أن تجيب عليه، أو تقف عند إجابة واضحة، فكل دولة كان لها منظورها المختلف في التعامل مع الآخر، أحيانا يحكم ذلك منطق القوة وأحيانا منطق الدعوة، وأحيانا منطق الدفاع وغيرها، إلا أن الأردن الحديث وبعيدا عن الإيغال في فكرة الآخر في الإسلام وتجلياتها - رغم أنها واضحة في الإسلام، إلا أن السياسة أحيانا تخلق تصورات مغايرة تفرضها راهنية اللحظة – قد عمل على فكرة مهمة أخذت مساحاتها في العالم ويمكن العمل عليها وإعادة إنتاجها وبما يتوافق والوعي الجديد بحضور الدور الأردني، وهي فكرة الوسطية، وهنا يمكن أن نعيد إرسال ذاتنا السمحة إلى العالم وان يقبلنا بعيدا عن فكرة الانغلاق والتشدد التي تخرج كل حين كأصل من أصول الإسلام، والإسلام منها براء، لابد أن نقول كلمتنا في ذلك وهنالك مشاريع مهمة يمكن أن تقول ذلك، فمثلا فيلم "الرسالة" قدم الإسلام بصورة لم يتخيلها أحد، وهذا ما ندعو إليه، لماذا لا يكون هنالك مشروع ثقافي عربي تطلقه المئوية وبالتعاون مع مؤسسات وحكومات عربية مختلفة يقدم الإسلام السمح من خلال عناوين درامية وسينمائية ومسرحية وموسيقية وتشكيلية وغيرها من العناوين الإبداعية المختلفة التي تفرض حضورها من قوة الإبداع وليس من أي قوة أخرى. 

المئوية، مشروع مهم وافق واسع يمكن من خلاله الانطلاق بثقة، إذا ما أحسن التعامل مع هذه الفكرة.

*ما الذي يحفّزكم على كتابة الرواية ؟

الرواية عالم من الغموض لا يخوضه أيّ كاتب، أعني الرواية المكتملة البناءات والناضجة معرفيا وفلسفيا، لأن الأسواق تعج الآن بالروايات الرديئة، وهذا قد يلقى اللوم به على النقاد.

ما يحفّز على كتابة الرواية أحيانا قد تكون فكرة أو موقفا أو رسالة تريد أن بثها في هذا الفضاء الذي بات مزدحما بالأفكار المريضة.

قد تكون الرواية صرخة عالية في وجه ما نرى من تشويه للحياة، وليّا لأعناق الحقائق. وأحيانا مقصلة تعلقها كي تعدم حقيقة ساهمت في مسخ هذا الكون.

لكن الرواية بالمجمل حياة جديدة أكتبها أحيانا لأفر من حياتي إلى شرفة الآخرين، أقرأ منها الكون والتفاصيل وأقدم منها موقفا تجاه ما يقدم من فرص للحياة.

الرواية سراج أحمله في ليلة مظلمة وأتجسس فيه على روحي وعلى أرواح الأبطال الذين يركضون خلفي كي اعتقهم من حبال قلمي.

 

* حوار خاص بموقع تنوير الأردن 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top