لَكِ يا مَنازِلُ في القُلوبِ مَنازِلُ | الدكتورة إنعام القيسي

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

لَكِ يا مَنازِلُ في القُلوبِ مَنازِلُ

الدكتورة إنعام القيسي

سُوَيْداءُ القَلْبِ في اللغة: حَبَّتُهُ، عُمْقهُ، مُهْجَتُهُ، والسُّوَيْدَاءُ: تصغير السَّوداء.  وفي علم التشريح  هي مادّة في البذرة يتغذّى منها الجنين وتكون نشويَّة أو دهنيَّة أو آحيّة.  والقَلْبُ: عُضوٌ عَضَلِيٌّ، يضخ الدم، وهو أساس حياة الإنسان الجسديًّة والمعنوية.

سُوَيْداء القَلْبِ نقطة في منتصف القلب، لها طاقة محددة تتحمّل من خلالها من تحب وتعتني به، ولها قدرة محددة في تحمّل الألم والمعاناة، ولها زمن محدد لتحمّل هذه الأمور مجتمعة، حتى مدة الحب أظنها محددة في سنوات معدودات في هذه المنطقة (واللهُ أعلم) وإلا كيف نرى أحدهم يأخذ مكان آخر، وكيف نرى أنه بعد الهجر والصد يُولدُ حبٌ آخر غير الأول؟ 

 كيف نرى من فقد نصفه الآخر اقترن في حياته التالية بغير نصفه المفقود؟ وامتلأت حياة كل منهما بحبٍ جديد. مزهرٍ. إن صحّ التعبير، وكانت من قبل هكذا... 

هل يتساوى الحالان أم أنّ وراء الأكمة ما وراءها.

 هنا. لا بدّ من وقفة، وعودة إلى سُوَيْداءُ القَلْبِ، ففي مكان (ما) من النفس أو القلب، هناك منطقة خالية وحسّاسة، تبقى فارغة تنتظر من يحل بها ويسكن فيها، وهي أشد مناطق النفس حساسية وتأثراً، أظنها المنطقة التي قصدها مجنون ليلى (توفي سنة 68هـجرية) في هذا البيت: 

بِرَغـمي أُطيلُ الصَدَّ عَنها إِذا نَأَت    أُحاذِرُ أَسمـاعـاً عَلَيـهـا وَأَعيُنا

أَتاني هَواها قَبلَ أَن أَعرِفِ الهَوى   فَـصــادَفَ قَلبـاً خالِيـاً فَتَـمَـكَّنـا

وقفت عند: فصادف ( قَلبـاً خالِيـاً فَتَـمَـكَّنـا )، هل المقصود هنا خلوّ القلب من حبيب يسكنه، أم أن هذه المنطقة  داخل القلب مخصصة لشخصً بعينه، وما حولها للجميع، وهل هذا عند مجنون ليلى فقط؟ فلننظر إلى  بيت في خاتمة قصيدة  يزيد بن الطثرية في العصر الأموي ( ت 126هـ)، حيث يقول: 

وَهَل كُنتُ إِلّا مُعمَداً قانِطَ الهَوى   أَسَـرَّ فَلَمّـا قادَهُ الشَوقُ أَعلَنـا.. 

أَتاني هَواها قَبلَ أَن أَعرِفَ الهَوى   فَـصــادَفَ قَلبـاً خالِيـاً فَتَـمَـكَّنـا

ويبدو أنه نقل البيت عن مجنون ليلى. ثم يرد البيت نفسه عند داود بن عيسى الأيوبي، ت 656 هـ 

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى      فصادف قلبي فارغا فتمكنا

فطرت على جيّد لها وألفتُه               ولا بدّ أن ألقى به الله معلنا

ولم يخل من قلبي هواها بقدر ما        أقول أتاه فارغًا فتمكّنا

ويتكرر البيت عند سلسلة طويلة من الشعراء القدماء بلفظه ومعناه، وبمعناه دون لفظه عند شعراء آخرين، ومنهم من هو من المعاصرين، ويُجمع كلهم على معنى ما قاله مجنون ليلى في الإشارة إلى المكان الخالي في القلب الذي يُهيئُ لشخص واحد يتمكن منه  دون منازع. هنا لابد من العودة مرة أخرى إلى سويداء القلب (الحبّة والعمق والمهجة) وفي هذا تأكيدٌ على أن المقصود ليس كل  القلب.  

الهوى وجد المكان الخالي، وتمكّن من القلب والروح، ولو كانت هذه المنطقة مأهولة بمن يشغلها، لما استقر الهوى في قلب المُحبّ، فإذا وَقَعَ شخص فِي الحُبِّ، وشُغِفَ بِشخص ما؛ احتل المحبوب هذا المكان، وسكن هذه المنطقة وتملّكها. 

لكن مع طول الزمن تموت هذه المنطقة الحية، وتقل حساسيتها، ويموت الحب، ولكن تبقى ذكراه بحلوها ومرها، يبدو أن هذه المنطقة لها صاحب واحد، لا يستطيع أحد أن ينتزعها من مالكها، حتى لو ظهرت الأمور بغير ظواهرها، إنها لمن استقر فيها تحيا به، وتموت بموته... ويغدو معلول القلب بحبّ استقر في العمق، ينادي على من ملك الفؤاد ولم يرحل، وإن غادر جسديًّا، بل ويطرب القلب في ذكر المالك الأصيل، ولا تحلو الليالي إلا وهو يغني هذا فؤادي بكم يطرب، رغم الألم والمعاناة. 

 والسؤال المهم هنا: هل تنتهي حياة المرء بحياة أحدهم  ضمن تفسير منطقة (سويداء القلب ) ومن يحتلها؟

لعلي أرى الجواب (لا) ذلك لأني  أجد  الإنسان إذا وقع في الحب مرة ثانية، فإن الحب الثاني يستقر في المنطقة التي تليها ولا يسكن في الأولى (سويداء القلب)، ولكن هذه المنطقة أقل حساسية وأقل تأثرًا من سابقتها، وألم الفراق والهجران فيها أقل وأضعف؛ فهي منطقة تلي الأولى في درجة الحساسية والعمق، وهكذا يبقى الحب هنا حتى تموت هذه المنطقة ويموت معها صاحبها القاطن فيها. 

   ولعلي أنظر إلى المعنى بما يتفق وقول أبي تمام: 

نَقِّل فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِنَ الهَوى    مـا الحُـبُّ إِلّا لِلحَـبـيـبِ الأَوَّلِ

وكلما تعددت الشخوص مع التتالي بعُدت المسافة عن سويداء القلب، وقلّت درجة التعلق، وربما يرتبط في البعد والاقتراب من منطقة سويداء القلب مدة المكوث، فهي باعتقادي ليست طويلة أو أبدية، ذلك أنّ السويداء في علم التشريح مادة غذاء الجنين الغنيّة  ذات القيمة العالية، وكذلك الحب في  سويداء القلب فهو مثل جنين، ثم طفل يحبو، ثم صبي، ثم رجل يشيخ ويهرم ويموت، وفي الحالة الأخيرة فإن كل المحاولات لإرجاعه للحياة لن تنفع، وقد تكون آنية ثم يزول أثرها بعد ذلك.  

نحتاج إلي ديمومة هذه المنطقة من خلال مدِّها بعوامل الحياة وتغذيتها بكل قول جميل وفعل طيب، وإبداء المشاعر النبيلة، والإحساسات المرهفة التي تفوح طيباً.

*مقالة خاصة بموقع تنوير الأردن.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top