في وداع الراحل الكبير | محمد تيسير الزعبي

في وداع الراحل الكبير

محمد تيسير الزعبي

 

يوجب رحيل حاتم علي المفاجئ التبصر والتفكر،، 
أن يحضر الميت في صفحات الناس على اختلاف توجهاتهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية وانحيازاتهم الفنية بهذا الشكل الكثيف فهي رسالة إلى كل العاملين في الفن والإعلام ومخاطبة الجمهور. 
مشهد ملتبس عاش فيه حاتم علي، تتجاذبه استقطابات حادة تحتاج فكرًا فرديًا عميقًا يفرض على صاحبه التأكد من ثبات الأرض قبل الوقوف وإلا فإنها تميد بأمم فما بالنا بفرد يعيش تحت أعين الناس في حله وترحاله، وهذا مجال آخر للتبصر أدركه حاتم علي، فاحترم فكر الناس وأذواقهم ولم يرض أن يصنع مجده وشهرته بعدد الأعمال التي أخرجها بل بالنوعية أولًا والجودة والتفرد ثانيًا، إذ تنبع قيمه الفرد وتأثيره من النوع لا الكم. 
لم يكن الفن ساحة نقية على الدوام بل ملأ الشاشة بأعمال قبيحة أثارت الأسى، والأمر ذاته ينسحب على الكتابة والإعلام وهذا مجال آخر للتبصر والاستفادة من تجربة حاتم علي في هذا المجال، فالإنسان يجب أن يتمتع بقدر كاف من الأخلاق المهنية التي لا تجعله يبرر لنفسه الانسياق وراء المزاج العام الرديء، وأن هذا ما يريده الجمهور، بل عليه أن يحتفظ باستقلال ذاتي يصنع مكانة متفردة، ويجعل هامش الاختيار الجيد الرصين الذي يضيف قيمة للحياة البشرية ويسهم في تغيير نمط حياتهم وأساليب تفكيرهم نحو الأفضل واسعًا رحبًا، إضافة إلى بث المتعة في قلوبهم وأرواحهم. 
في الأحوال كلّها على الفنان أن يبقى إنسانًا في الدرجة الأولى، قريبًا من الناس وهمومهم ولا تأخذه الشهرة بعيدًا عنهم وألا يكون همه الظهور على أغلفة المجلات أو شاشات الفضائيات. 
حسن اختيار ما يعرض على الفنان أو المخرج مجال مهم للتبصر في تجربة الراحل الكبير، وهذا يأتي بالقراءة والثقافة الذاتية والانفتاح على وجهات النظر المتنوعة وعدم الارتكان إلى الموهبة فقط، بل إن صقل الموهبة يصبح فرض عين للوصول إلى حالة من التفرد والتميز. 
ما نشر على صفحات التواصل الاجتماعي ليس حزنًا بالمعنى الشائع عند كل فقد، بل هو نوع من الأسى الصادق لمغادرة الأشياء الجميلة في حياتنا، فقيمة الإنسان تظهر عند رحيله، وتركته المعنوية هي التي تحفظ له قيمة وذكرًا بعد غياب جسده.
علّمنا حاتم علي كثيرًا في أعماله، وها هو يعلمنا برحيله ويدعونا للتبصر والتفكر أن كون الفنان جزءًا من حياة الناس يرفع قيمته ويعلي ذكره إن أراد، فقد رحل كثيرون من أهل الفن والتأثير عن عالمنا لكن ما حصل مع حاتم علي لم يحصل مع غيره، قليلون حصلوا على هذا الإجماع، ولنيل مثله من علو الذكر ينبغي أن يكون الفنان صاحب مشروع قيمي، ينميه ويطوره، ويكون قريبًا من معاناة الناس ونشأتهم وتكوينهم.
رحيل حاتم علي يؤشر إلى أشياء كثيرة تستحق التأمل والتدبر ويدعونا إلى امتلاك رؤية خاصة وإحساس مرهف بأهمية أدوارنا في الحياة.​
 
*مقالة خاصة بموقع تنوير الأردن 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top