سوء الطالع | غصون رحال

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

سوء الطالع

غصون رحال

لا علاقة لهذا المقال بالتنجيم أو بقراءة مسارات الأفلاك والكواكب على طريقة  ميشيل حايك وماغي فرح،  فسمائي صافية من النجوم والغيوم والأفلاك وعلامات الساعة ما كبر منها وما صغر ، وإن كان قلبي مسكون بالفزع الدائم، وعقلي مشغول بمفاجآت الغيب الرعناء. إنه مقال استباقي، استدراكي، استشرافي أطلّ من خلاله على خفايا نفسي البشرية الغائرة السريرة  الشائكة المعالم بغية إعادة  تقييم قناعاتي  غير الراسخة لمفاهيم الحياة وعلاقات الحب والصداقة،  وعلاقات العداوة  والكراهية  وطوابق النميمة. وغالبا، لأجل  إجراء مراجعة حاسمة لطقوس التشييع والتأبين المزرية.

تلك هي التفاحة التي سقطت على رأسي  فجأة بعد سماعي لعبارة لخّصت الحقيقة الغائبة: "التأبين،  مراسم تُجرى لإسعاد الأحياء لا الموتى" ، همست  بها "هايزل" بطلة فيلم ( من سوء طالعنا The Fault in Our Stars ) ابنة  الست عشر سنة ، والمصابة بسرطان الغدة الدرقية وهي تعيد طي الورقة التي  كانت على وشك تلاوتها  وتضعها في جيبها دون قراءة في حفل تأبين صديقها "اوغسطس" الذي قضى وهو في السابعة عشرة من عمره  بسرطان  الساركوما العظمية  osteosarcoma بعد أن أفقده هذا المرض إحدى ساقية . وهي الورقة ذاتها ، بالكلمات ذاتها التي  كانت قد  تمرنت على قراءتها  في  "بروفة " حفل التأبين  الذي أقامه اوغسطس  لنفسه قبل أيام من وفاته .

كان المرض قد عاود  اوغسطس بصورة أعنف  أثناء  رحلة  رتبها لصديقته  إلى أمستردام- بدعم من مؤسسة خيرية  لتحقيق أماني من يعيشون احتضارا طويلا جراء إصابتهم بالسرطان-  من أجل أن تشبع فضولها في معرفة نهاية رواية  أحبتها،  ولكن كاتبها  المقيم في امستردام  تركها مفتوحة دون نهاية أو إجابات  ليتبين لهما أن الكاتب شخص لئيم، دائم السكر وأن موافقته على لقائهما كان بترتيب من السكرتيرة من دون علمه . بعد عودتهما الى بلدهما ، تدهورت صحة "اوغسطس"  بشكل سريع ، فقرر  إقامة حفل تأبين يدعو إليه صديقته و حبيبته  "هايزل" وصديقهما المصاب بسرطان في عينه.  يحضر اوغسطس الى حفل  تأبينه ممتطيا كرسيا متحركا،  يدفعه  صديقه صاحب العين الواحدة الى داخل الكنيسة .  تصعد هايزل الى المنصة وتعدّد بقلب ملتاع ودموع وفيرة  مناقب  الميت الحي،   ما ظهر منها وما بطن،  كاشفة في الوقت ذاته عن مناطق في روحها لطالما ظلت مستترة خفية.  مستنزفة خلجات قلبها  وهي تعترف  بحبها  للفقيد الذي لم  تطرف له عين  وهو يستمع الى  صوتها الغارق في أوجاعه.

هيأ لي هذا الفيلم مناخا مثاليا  للعبث والتلاعب في حفاوة التشييع الحمقاء تلك ، وسولت  لي نفسي الأمارة بالسوء أن أستبق الأحداث  وأعلن عن موعد  يناسبني لتأبين نفسي . أن أكتب نعيا أختار كلماته بعناية مفرطة بما يليق بطبعيتي الهوائية ، وطالعي المتزن المتوازن  الخالي من أي هوادة أو رقاعة. إذ أنه يحق لي أن أحرص على عدم تكرار  الدجل والانفعالات المزيفة  والكلمات المفعمة بالكذب الجميل التي عادة ما تكتسح  احتفالات التأبين التي تقام بعد فوات الأوان  ومن دون  حضور أصحابها ليشهدوا على زيف  المشاعر  وغثاثة الدموع. يحق لي أن استمع بأذنيّ الى ما ستقوله صديقة ما عادت صديقة منذ زمن طويل ، وأن أرى بأم عينيّ  قسمات وملامح  أناس  أخلفوا  وعودهم ، وأناس أداروا ظهورهم ، وأناس عشت ومت وهم على ما هم عليه من  البراءة والطيبة.

ستمثل مثل هذه المغامرة فرصة العمر  لأي منا للتصالح مع الذات قبل التصالح مع الآخرين ، لترميم الأنفس المهشّمة، لسبر غور الصداقات الصادقة الصدوقة ، للإطمئنان على  عمق  المحبة في قلوب المحبين،  ولخلق فسحة من الرضى عن الحياة الدنيا  كما الحياة الآخرة،  ولإعادة النظر  بكل ما  مر بنا  ومررنا به من تجارب وعلاقات في رحلة العمر الفانية هذه.                                                                                                                                  

مقالة خاصة بموقع تنوير الأردن


مقالات ذات صلة

تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top