هل تهدد الطفرات لقاحات كوفيد 19؟

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

تعبيرية

هل تهدد الطفرات لقاحات كوفيد 19؟

عمان – تنوير

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

لا نعرف حتى الآن ما إذا كانت الأنواع الجديدة من فيروس كورونا قد تعيق فعالية اللقاحات. لكنها يجب أن لا تغيّر أي شيء بشأن نهجنا مع الصحة العامة.

 
في الثامن من كانون الأول (ديسمبر)، أصبحت المملكة المتحدة أول دولة غربية تشرع في تلقيح مواطنيها ضد فيروس كورونا، وكانت كندا والولايات المتحدة قريبتين وراءها -وهي إشارة بالنسبة للكثيرين إلى أنه قد يكون هناك، في الواقع، ضوء في نهاية النفق بعد عام من الكارثة التي أصابت الصحة العامة. وحتى الآن، تسبب “كوفيد- 19” في أكثر من 79 مليون إصابة و1.7 مليون حالة وفاة في جميع أنحاء العالم، وهي أرقام مروعة بكل المقاييس. وبالنسبة لأولئك الذين نجوا من العدوى -أو تجنبوا التقاطها حتى الآن- قلَب “كوفيد- 19” الحياة كما نعرفها رأساً على عقب.
ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الأمل -أو بالأحرى، من أجل الحفاظ عليه- من المهم عدم التخلي عن البروتوكولات المعتمدة لمكافحة الوباء، مثل ارتداء الأقنعة والتباعد الجسدي، في وقت أبكر من اللازم: لأن امتلاكنا الآن حقناً من اللقاح ضد “كوفيد- 19” بالكاد يعني أنه اختفى. وفي واقع الأمر، بدأ فيروس كورونا في الظهور في أشكال جديدة -أو طفرات- أخرى، وسوف يستمر في أن يفعل ذلك إلى أن يتم القضاء عليه تمامًا. ومع أن اليقظة كانت ضرورية دائماً، فإنها أصبحت أكثر أهمية الآن.
يُعتقد أن “سارس-كوف-2″، الفيروس المسبب لمرض “كوفيد- 19″، قد انتقل في البداية إلى البشر من مستضيف حيواني. ولم يكن هذا انتقالاً توقف بمجرد وصول الوباء إلى البشر قبل عام: منذ حزيران (يونيو)، تم تعقب أكثر من 200 حالة بشرية من “كوفيد- 19” إلى مزارع حيوان المنك، مما يشير إلى أن الفيروس يمكن أن ينتشر من البشر إلى المنك والعودة مرة أخرى. وفي تشرين الثاني (نوفمبر)، أبلغت الدنمارك عن 12 حالة من الإصابة بسلالة فريدة من الفيروس مع مجموعة من المتغيرات التي لم تكن قد شوهدت من قبل. ودفع القلق العالمي بشأن تفشي المرض رئيس الوزراء الدنماركي، ميت فريدريكسن، إلى إصدار أمر بإعدام 17 مليون من حيوانات المنك الحية، وإعلان خطط لإنهاء تربية المنك في البلد في المستقبل المنظور. وفي الاستجابة، فرضت العديد من البلدان ضوابط أكثر صرامة على الحدود مع البلد، خوفًا من انتشار المرض خارج الدنمارك.
ولكن، على الرغم من هذه الاحتياطات، أعلنت كندا في كانون الأول (ديسمبر) عن إصابة ثمانية أشخاص في مزرعة للمنك في كولومبيا البريطانية بـ”كوفيد- 19″. وأرسلت المزرعة حيواناتها وموظفيها إلى الحجر الصحي، وتبنت تدابيرَ الأمن الحيوي المعززة للحيلولة دون حدوث المزيد من العدوى -ولكن من دون جدوى. كما أبلغت العديد من الولايات الأميركية، بما في ذلك ولاية أوريغون، عن حدوث تفشيات مرتبطة بمزارع المنك. وهذا كله يثير مخاوف جدية بشأن احتمال انتشار العدوى خارج المزارع -حيث يمكن أن يتم احتواؤها على الأقل- وأن تصبح مستوطنة في البرية.
وكما لو أن العدوى القادمة من حيوانات المنك لم تكن كافية، تحول الانتباه مؤخراً إلى سلالة جديدة من الفيروس ظهرت في المملكة المتحدة، والتي قيل إنها أكثر قابلية للانتقال من نظيراتها. وقد أدى ظهور (B.1.1.7)، كما تُعرف الطفرة الجديدة، إلى فوضى عالمية تذكرنا بما حدث منتصف آذار (مارس)، وقاد أكثر من 50 دولة إلى حظر تبادل السفر مع المملكة المتحدة. وفي حين أنه لم يتم الإبلاغ عن تأثير لسلالة (B.1.1.7) على شدة العدوى، فإنها أكثر قابلية للانتقال من النوع القياسي لـ “كوفيد-19″، وسرعان ما أصبح الفيروس الجديد السلالة السائدة في جنوب إنجلترا. ويبدو أن سلالة مختلفة، تشترك في حدوث طفرة مع سلالة المملكة المتحدة، قد تطورت بشكل منفصل في جنوب إفريقيا، حيث أصبحت سائدة بالمثل أيضاً.
تأتي هذه التطورات في وقت حرج: في خضم زيادة في الإصابات بسبب الشتاء ومع التوزيع الشامل للقاحات ضد النوع القياسي من فيروس “سارس-كوف-2”. ولفهم الآثار المترتبة على سلالة المنك، والسلالات الجديدة التي تم اكتشافها مؤخرًا من فيروس كورونا داخل المملكة المتحدة وجنوب إفريقيا، بالنسبة للصحة العامة -والسياسة- فإننا نحتاج إلى فهم الكيفية التي تتحوّر بها الفيروسات والطفرات، وكيفية انتشار هذه الطفرات، وما هو التأثير الذي يمكن أن تُحدِثه.
 
“سارس-كوف-2” هو فيروس حمض نووي ريبوزي RNA، والذي يحتوي على حوالي 30.000 قاعدة في تسلسله الجيني. وليس حدوث الطفرات -التغيرات التلقائية التي تظهر في التسلسل الجيني للفيروس- شيئًا غير عادي في فيروسات الحمض النووي الريبوزي. وفي واقع الأمر، تتحور فيروسات الحمض النووي الريبوزي، مثل فيروسات الإنفلونزا، بشكل متكرر أثناء التكاثر لأن الآلية التي تنسخ الحمض تكون عرضة للأخطاء. لكن الطفرات تحدث بشكل أقل تكرارًا في فيروس “سارس-كوف-2″، لأن لآلية نَسخه معدل خطأ منخفض. وهذا هو السبب في أن الإصابة القياسية بفيروس “سارس-كوف-2” الذي تم التقاطها أثناء الوباء تختلف عن سلالة ووهان الأصلية بحوالي 20 قاعدة فقط.
ومع ذلك، تم تحديد آلاف الطفرات التي حدثت في فيروسات “سارس-كوف-2” في جميع أنحاء العالم. ومعظمها ليست سببًا للقلق: من المحتمل أن تكون الغالبية العظمى من الطفرات محايدة، مما يعني أنها ليست مفيدة ولا ضارة للفيروس. وتعتبر الطفرات الضارة للفيروس أخبارًا جيدة للصحة العامة: فهي يمكن أن تعطل وظائف الفيروس، مثل قدرته على الارتباط بالخلايا البشرية ودخولها، ويمكن أن تُضعف قدرته على الانتشار بكفاءة بين البشر. ولكن، لسوء الحظ، عادةً ما يتم استبعاد الطفرات غير المفيدة في الفيروس، لأنها تنقله بشكل أقل فعالية.
ومع ذلك، فإن احتمال حدوث طفرات مفيدة للفيروس ينطوي على المزيد من أسباب القلق. يمكن أن تساعد الطفرات المفيدة الفيروس على الارتباط بالخلايا البشرية بشكل أكثر كفاءة، أو الهروب تماماً من الاستجابة المناعية. ومن الناحية النظرية، سوف يتم اختيار الطفرات المفيدة للفيروس بشكل طبيعي بمرور الوقت، لتصبح السلالة المهيمنة في مجتمع أو بين سكان. ويمكن أيضًا أن تنتشر الطفرات المحايدة على نطاق واسع عبر السكان، وهي حقيقة يمكن أن تجعل من الصعب تمييز ما إذا كانت طفرة معينة قد أصبحت شائعة بسبب الانتشار العشوائي أو لأنها مفيدة للفيروس.
تتراكم الطفرات بينما يصنع الفيروس نسخًا أكثر من نفسه؛ وبهذا المعنى، فإن من الطبيعي فقط أن نرى المزيد من طفرات فيروس كورونا بمرور الوقت.
ولكن عندما تكون مستويات انتقال الفيروس وتكاثره عالية، يمكن أن يتسبب ضغط الاختيار في تراكم الطفرات المفيدة للفيروس. ويمكن أن تنشأ ضغوط الاختيار عندما يتكيف الفيروس المعني مع نوع جديد من الأنواع الحية المضيفة، أو يواجه علاجًا جديدًا أو استجابة مناعية جديدة، أو يحبطه لقاح.
ويبدو أن “سارس-كوف-2” يتكيف بسرعة مع الحيوانات المضيفة الجديدة؛ في إحدى الدراسات التي أجريت في الصين، تحور الفيروس وتكيف بسرعة مع الفئران، منشئاً لنفسه بذلك مستودعاً حيوانياً جديداً. ومن الجدير بالملاحظة أن الطفرة التي سمحت لفيروس كورونا بالتكيف مع الفئران هي عنصر أساسي في السلالات الجديدة المنتشرة في جميع أنحاء المملكة المتحدة وجنوب إفريقيا. ويشير هذا إلى أن التكيف الفيروسي لـ”كوفيد- 19″، وبالتالي انتشاره بين الأنواع- يمكن أن يحدث بسهولة نسبيًا.
الطفرات مهمة لأنها تؤثر على ما إذا كنا سنتعرف على الفيروس وكيف نتعامل معه في نهاية المطاف. في بعض الأحيان، لا تستطيع الاختبارات، وأجهزتنا المناعية، أن تتعرف على الفيروس المتحوِّر. وقد لا تتمكن اختبارات الأجسام المضادة التي تعتمد على سلالة معينة من الفيروس من اكتشاف سلالات أو أجسام مضادة جديدة للفيروس، وقد لا تتعرف أجهزة المناعة التي واجهت سلالة فيروسية معينة على سلالة جديدة، مما قد يزيد من احتمالية الإصابة بالمرض مرة أخرى. والأهم من ذلك، أن هذا الواقع هو سبب لتهدئة نشوة اللقاح العالمية: يمكن أن يقلل ظهور الطفرات من الحماية التي توفرها اللقاحات وعلاجات الأجسام المضادة، والتي تستند كلها إلى السلالة الأصلية لـ”كوفيد-19″. وتُنتج المناعة الناتجة عن اللقاحات في العادة استجابة معقدة للعديد من مكونات البروتين الفيروسي، مما يجعلها مرنة ومقاومة بشكل عام لبعض الطفرات في الفيروس- لكنَّ سلالة تحتوي على عدد كبير من التغييرات ستكون قادرة على الهروب من الاستجابات المناعية الموجهة ضد السلالة الأصلية.
تعمل معظم لقاحات فيروس كورونا عن طريق توليد استجابة مناعية ضد البروتين الشوكي، وهو الجزء من الفيروس الذي يرتبط بـ”مستقبلات الإنزيم المحوِّل للأنجيوتنسين 2″ في الخلايا البشرية. والمحوِّل للأنجيوتنسين 2 هو إنزيم موجود في العديد من أنسجتنا وله العديد من الوظائف المهمة، بما في ذلك تنظيم ضغط الدم. وفي الوقت نفسه، يوفر انتشار “مستقبلات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين 2” أيضًا فرصة كبيرة لفيروسات كورونا لدخول خلايانا.
وبما أن ارتباط الفيروس بمستقبِل هو خطوة ضرورية لحدوث العدوى، كان يُعتقد سابقًا أن الطفرات التي تُظهر تغيرات في البروتين الشوكي لن تؤدي إلى العدوى، وبالتالي لن تؤدي إلى الانتشار. لكن العلماء اكتشفوا مؤخرًا عدة طفرات في البروتين الشوكي والتي لا تقلل من قدرة الفيروس على الارتباط بالمستقبِلات، مما يقلب الفكرة التقليدية رأساً على عقب. وبشكل عام، أثبتت الطفرات في البروتين الشوكي أنها أكثر مقاومة للتحييد بواسطة الأجسام المضادة للسلالة السائدة، مما أثار مخاوف بشأن عواقبها المحتملة -خاصة وأن النوع القياسي من فيروس كورونا يتم استقباله بسرب صغير فقط من اللقاحات عالية الفعالية.
 
كل هذا له عواقب هائلة في العالم الحقيقي. فتماماً بينما يطور العالم عقاقير جديدة مرتبطة بفيروس كورونا، هناك تقارير عن أشخاص أصيبوا بسلالة سابقة من الفيروس ثم أصيبوا مرة أخرى بتنويع مختلف منه. وبالتالي، هناك سبب يدعو للقلق من أن بعض طفرات الفيروس يمكن أن تفلت من الاستجابات المناعية الناتجة عن المطعومات القياسية، مثل لقاحات “فايزر-بيونتيك” و”مودرينا”.
أما إذا كان ذلك ينطبق على الفيروسات المتحوِّرة في حيوان المنك وسلالة المملكة المتحدة، فلم يتضح بعد. وتشير التحليلات الأولية إلى أن طفرة المنك أقل عرضة للتأثر بالأجسام المضادة الموجهة ضد السلالة القياسية ل ـ”سارس-كوفيد-2″. ومن المؤكد أن هذه الدراسات أجريت في المختبرات، وبالتالي لا تلتقط النطاق الكامل للاستجابات المناعية البشرية. لكن الآثار المحتملة على فعالية اللقاحات مثيرة للقلق.
على الرغم من أن الرئيس التنفيذي لشركة “بيوتيك”، أوغور شاهين، طمأن العالم إلى الاحتمالية العالية لأن يوفر لقاح شركته مناعة ضد سلالة (B.1.1.7)، فإن ثمة اعتقاداً بأن إحدى عمليات الحذف في طفرة سلالة المملكة المتحدة من الفيروس هي تكيّف قادر على الإفلات من الاستجابات المناعية الموجهة للسلالة الأصلية للفيروس. وفي الآونة الأخيرة، طور مريض يعاني من نقص المناعة ومصاب بـ”كوفيد- 19” سلالة مع الحذف الذي تميّزت به سلالة (B.1.1.7) أثناء العلاج ببلازما النقاهة، التي تحتوي على أجسام مضادة من الأشخاص الذين تعافوا من النوع القياسي للفيروس. ويبدو أن الطفرة الجديدة سمحت للفيروس بالهروب من هذه الأجسام المضادة، مما أتاح له النجاة والبقاء على قيد الحياة حتى بعد العلاج.
ومع ذلك، فإن الحل هو نفسه كما كان طوال فترة وجود الوباء: الالتزام بإرشادات الصحة العامة التي تخفف من انتشار “كوفيد- 19″، مهما كان شكله.
وبما أن الطفرات تحدث من خلال عمليات عشوائية وتتراكم مع الانتشار غير المنضبط للفيروس، وكذلك من خلال التكيف مع ضغوط الاختيار المختلفة، فإن من غير المرجح أن تهدد الطفرات الاستجابات المناعية عندما تكون معدلات الانتقال أقل، بين البشر والأنواع الأخرى على حد سواء.
إننا نعرف ما الذي يجب أن نفعله على الجبهة البشرية. ولكن، لمنع ظهور مستودعات ومضيفات جديدة للفيروس في الأنواع الأخرى، يجب على الحكومات إصلاح ممارسات تربية الحيوانات في المزارع على وجه السرعة، وتعزيز تدابير الأمن البيولوجي، ومراقبة “كوفيد- 19” بنشاط من خلال تفقد التسلسل الجيني للفيروس في البشر والحيوانات بشكل متكرر. ويجب مشاركة هذه البيانات على مستوى العالم حتى يمكن تحديد التفشيات والسيطرة عليها بسرعة، قبل أن تنتشر عبر مناطق مختلفة.
لقد استثمر العالم مليارات الدولارات في تطوير لقاحات لفيروس كورونا. والآن بعد أن أصبحت اللقاحات الآمنة والفعالة متوفرة، من الضروري أن نحمي هذه الموارد الثمينة. ولعل أفضل طريقة للقيام بذلك هي التحكم في انتقال الفيروس باستخدام التدابير التي نعرف أنها تعمل– إجراء الاختبارات، والتتبع، والعزل، وارتداء أقنعة الوجه، والتباعد الجسدي. ويشكل التطعيم، بطبيعة الحال، جزءًا مهمًا جدًا من هذه الإستراتيجية أيضاً، ولكن يجب نشره جنبًا إلى جنب مع استخدام الأساليب المجربة والحقيقية. وتتطلب السيطرة على الوباء عالميًا أن نعمل معًا. وعند ذلك فقط يمكن أن نحمي أنفسنا من التهديد الحقيقي جداً الذي تشكله طفرات الفيروس اليوم – وفي المستقبل.

 

*Deepti Gurdasani: عالمة أوبئة ومحاضرة أولى في جامعة كوين ماري بلندن. تركز أبحاثها على العوامل الوبائية والوراثية التي تؤثر على الصحة العالمية.
*نشر هذ المقال تحت عنوان: Will Virus Mutations Threaten COVID-19 Vaccines؟

 

 

الغد


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير شركة إي بكس

Back to Top