كلوب هاوس: تكلم كي أراك | مالك العثامنة

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

كلوب هاوس: تكلم كي أراك

مالك العثامنة

بقليل من الحذر، وكثير من الفضول والحماسة أدخل غرف التطبيق "التواصلي" الأحدث "كلوب هاوس" والذي نفشل من جديد في تعريب اسمه كما أخفقت محاولات تعريب سابقيه "فيسبوك" و "تويتر" و"إنستغرام" وغيرهم، لكن نجحت وبجدارة عملية تطويع تلك الأسماء الأعجمية للتصريفات اللغوية العربية "فصحى ومحكية"، فصرنا نقول " كنت أفسبك" أو "هو كائن تويتري"، وربما قد تصرح "ناشطة فاشينست - وتلك مهنة جديدة" بقولها : الصورة صارت إنستا.

في كلوب هاوس، وأقرب كسر عشري في ترجمتها قد يكون "نادي المنزل"، هناك تواصل من نوع جديد، قد يعمل فعلا على تقنين "الفوضى المعرفية" أو ربما يزيد من انتشارها، وهذا ما ستحمله الأيام وهي ليست بعيدة في عالم الثورة المعرفية التي تطحن الوقت بمسننات النانو ثانية.

لا يمكن المراهنة في عوالم الفضاء الإلكتروني، فالمدهشات تأتيك من حيث لا تحتسب، والتوقعات تتكسر بسهولة وبسرعة في مواجهة كل ما هو جديد وغير متوقع، لكن قد أغامر باعتقاد شخصي يقول أن تطبيق مثل "كلوب هاوس" هو مرحلة جديدة في عملية "التطور والارتقاء" المعرفي في مسيرة المعرفة التكنولوجية التي لم تعد جديدة فعليا، وقد يكون التطبيق ردة فعل "المعرفة" على كل ذلك النشوز المعرفي والشذوذ المعلوماتي الذي سيطر على قطاع وسائل التواصل الاجتماعي حتى صارت حقيقة ما نسبوه إلى أمبرتو إيكو بأن الحمقى والجهلة تساووا مع حاملي جائزة نوبل في هذا الفضاء التواصلي الضخم- (مع تحفظي على اعتبار جميع حاملي جائزة نوبل متميزين معرفيا!!).

ولست قادرا فعلا على تحديد صحة تلك المقولة المنسوبة لأمبرتو إيكو إلا إذا قمت بممارسة جهد حقيقي في البحث (على الإنترنت أيضا) للوصول إلى ما قاله الفيلسوف الإيطالي فعلا، وهذا سهل لأنه فيلسوف معاصر مات قبل أعوام، ومعظم أعماله متاحة إلكترونيا، لكن الصعوبة تكمن في البحث عما قاله "دستويفسكي" مثلا، والذي نسبت إليه وإلى شكسبير وبرنارد شو والرومي وكونفوشيوس وغيرهم من أدباء وفلاسفة وعلماء كمية من المقولات التي تسلح بها "الحمقى" في عوالم الفيسبوك، بل واستخدموها ولا يزالون يستخدمونها في دعم حججهم وطروحاتهم التي يتم تسويقها في عالم التواصل الاجتماعي المتخم بالمعرفة والجهل حد الاختلاط الفاحش.

 

في تطبيق الكلوب هاوس، وحتى الآن فمن الصعب أن تختفي وراء شاشتك وحدها، متنكرا باسم مستعار او صورة مستعارة مثل الفيسبوك والتويتر، أنت في "كلوب هاوس"  كي تشارك مطلوب منك ان تكون "أنت"، وربما هو التطبيق الذي يجسد عبارة "تكلم كي أراك" وهي عبارة منسوبة للفيلسوف الإغريقي سقراط حسب مرجعيات موقع فيسبوك ولم أقرأها في أي مراجع الفكر السياسي الغربي التي تعرفت فيها "معرفيا" على سقراط.
أنت يجب أن تتكلم في "كلوب هاوس" كي يراك الموجودون، والموجودون معروفون بأسمائهم وأصواتهم، ويمكن لك ان تراهم كما يروك حين يتكلمون بكل حرية في هذا الفضاء المسموع بوضوح.

 

الموجودون عددهم محدود "مهما كان كبيرا"، فهم مجتمعون في تلك اللحظة التي تسمعهم بها تحت عنوان حديث واضح ومحدد، قد يكون عن فلسفة سارتر الوجودية أو عن اخراج الجن والعفاريت بالرقية الشرعية، قد يكون عن أنظمة الدفع الهيدروليكي في الصواريخ أو عن تنويعات طبخ الباستا الإيطالية، لك أن تدخل غرفة دردشة "لمن لا غرفة لهم" كما فعلت أنا ليلة أمس وقد استمتعت بها كثيرا ولم يكن بها اسم واحد أعرفه.
هي جلسات دردشة في عالم افتراضي يلامس الواقع لأنك لا تستطيع "تزوير نفسك".

صديقي الصحفي التلفزيوني البلجيكي من أصل فلسطيني "مجد خليفة" هو الأكثر تحمسا في مشاركات هذا التطبيق، ونشاطه يتناوب فيه بحماس شديد على اللغتين "الهولندية والعربية" ويبادر بذكاء وعفوية على طرح عناوين مواضيع للحوار يديرها مع شركاء في جغرافيات بعيدة، ويجذب إليها محاورين من مختلف المستويات.

 

أحد الحوارات "بالهولندية" التي أدارها مجد كان عنوانها بسيطا ولطيفا ( ما هو أول شيء ستفعله بعد نهاية أزمة كورونا؟)، والحوار كان شيقا حسب ما فهمت، بل وشارك فيه وزير القضاء البلجيكي نفسه.
في تلك الدردشات المباشرة، أنت لا تملك إلا ان تكون أنت، وهو امتحان حقيقي لمعرفتك ( ولجهلك أيضا).
العالم انتهى من تحولاته الجديدة والتي دخل بها مرحلة جديدة من آليات الإنتاج والمعرفة، العالم الآن "يتموضع" - إن جاز التعبير- في مجالاته الموجودة.

 

هذا التموضع نتلمسه في تلك التطورات المعرفية والتقنية التي يبدو أنها تنتهج ذات مفاهيم "النشوء والارتقاء".
من منا يتذكر الحالة البدائية الأولى للتواصل المباشر عبر الرسائل النصية؟ كانت الرسالة ترسل عبر الأجهزة "غير الذكية" ويصل النص الطويل أحيانا بأجزاء مفقودة، ثم جاء التطور عبر الانترنت من خلال برامج كمبيوتر للتواصل النصي أتذكر شخصيا أني كنت أستعمل فيها "الجد المؤسس" لتطبيق واتس اب، وهو برنامج " MIRC" وابن عمه " ICQ" ثم طورت شركة ياهو برنامجها للحوار النصي وتبادل الملفات، وانقرض الجميع لننتهي بتطبيقات حديثة سريعة جدا على هواتفنا المحمولة "الذكية".

مع كل هذا الذكاء الصناعي من حولنا، وتطوره الطبيعي بالارتقاء المعرفي المتسارع، فإنك تتعجب من بعض البشر "وصار اسمهم مستخدمين - USERS" وقد انكفأوا نحو الخلف بأفكارهم متمسكين بتخلفهم وجهلهم، وبإصرار "أعمى" على ترويج الجهل كله بأدوات الثورة المعرفية الذكية.

 

هناك قصة منسوبة لإنجلز، شريك كارل ماركس الفكري، في تفسيره لقانون الصدفة يقول فيه أنه لو افترضنا وجود 6 قرود أمام  6 آلات كاتبة  وتركناهم يطبعون بشكل متواصل وبلا انقطاع لمدة ستين ألف سنة، فإن أحد القرود سيطبع بالصدفة قصيدة من قصائد شكسبير.
فعليا لا أعرف إن كان المرحوم إنجلز قد قال ذلك أم لا، لكن على افتراض ذلك فعلا، فإننا اليوم نشهد فعليا حضور القرد "كحالة بدائية للتطور الإنساني" أمام لوحة كتابة إلكترونية، ولا يطبع قصيدة لشكسبير وحسب، بل يعيده إلى الحياة ويضع له منطوقا لم ينطقه الراحل في حياته كلها.
لكن - لحسن الحظ والمعرفة- ومع التطور الطبيعي للذكاء الصناعي المتسارع، فإن القرود - وقريبا جدا- ستصبح مجبرة على التكلم، كي نراها.


مقالات ذات صلة

تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير شركة إي بكس

Back to Top