عظام أمي | عدنان جابر

عظام أمي

عدنان جابر

مر العمر بسرعة. في ذلك اليوم، في 5 حزيران يونيو عام 1969، عندما رأتني أمي في مستشفى عالية في الخليل، ورصاص المحتلين قد أصابني في رقبتي وقدمي، كنتُ في السابعة عشر من عمري. كان سلاحي "سيخ كباب" صنعتُه في مدرسة الأمير محمد الإعدادية، وطعنتُ به ثلاثة جنود إسرائيليين أمام الحرم الإبراهيمي.

في ذلك اليوم، وأنا بين الصحو واليقظة، نظرت أمي إلى وجهي المشوه الدامي، وقالت: 

- "معلش يما، المهم إنك عايش". 

كانت قوية، مثلما عرفتها دائماً. أنعشتني كلماتها وأنفاسها المشبعة بالحنان.

أخذني الجنود في عربة عسكرية من طرف " شارع "السهلة " أمام الحرم الإبراهيمي حيث اشتبكت معهم إلى الثكنة العسكرية "العمارة" المتواجدة على تلة مرتفعة، وهي مسافة طويلة بالنسبة لجريح ينزف من فمه ورقبته وقدمه. ويبدو أنهم اعتقدوا بأنني على وشك الموت، لذلك قفلوا عائدين بي وأدخلوني إلى "مستشفى عالية" كي أموت هناك، ولكن تحت حراسة من قبل شرطة الخليل المحلية، ومداهمة مفاجئة متكررة من جنود الاحتلال للتأكد من عدم هروبي أو تهريبي. لم تطل إقامتي هناك، إذ عندما عرفوا بأنني لم أمت سرعان ما تم نقلي إلى مستشفى سجن الرملة.

طوال سنوات أسرى، كانت أمي تطارد ورائي من سجن إلى سجن، وكانت أكثر حيوية ومعنوياتها أقوى مقارنة بوالدي الطيب. كانت تتمتع بصوت جميل. قالت قريبتنا "أم العبد":

 - "أم غازي كانت تحيي كل عرس تحضره".

قبل الاحتلال، كان غناؤها يشي بالفرح والقوة، مع مجيء الاحتلال وتكرس الفراق وتشتت الأسرة بين الوطن ومنافي الغربة صار غناؤها مفعماً بالحزن والأسى، لكن لم يخلُ من القوة والصبر. أدركنا أن أمنا تغني كي لا تبكي، وإن بكت فبعيداً عن أنظار الآخرين.. كانت تغني لأنها اعتادت صناعة الأمل.

كنت أعرف أن لي مكانة أثيرة في قلبها، بسبب كوني أسيراً وجريحاً. وأنا خلف القضبان خصصت لي بعض قصائدها الزجلية، وبعد خروجي من السجن، أثناء وجودي في رومانيا للعلاج تلقيت منها رسالة تقول فيها: 

- " ليتني قطعة شاش أبيض، ألتف بها على قدمك يا ولدي الحبيب".

في صوفيا، أثناء دراستي هناك، أسمعتُ بعض الزملاء شريطاً كنت قد سجلته لها أثناء زيارتها لي في سوريا. وأثناء استماعهم لصوتها، سألتهم مازحاً:

 - " هل تعرفون مغنية في فلسطين اسمها سعاد صلاح؟"

 - أجابوا: "لا، ولكن صوتها حلو"

 قلت: "هي أمي"

امتد زمن الفراق، صَعُبَ على الحاجة سعاد أن يكون أولادها مشتتين في فلسطين والأردن والكويت وسورية والعراق والصين وبلغاريا، فعانت من عنت الزيارة وعبء السفر.

 مرة، وهي تنظر من النافذة إلى شجرة التوت أمام بيتنا في الخليل، رأت عصفوراً ينطنط على أغصانها فأنشدتْ تقول:

 " عصفور يا كتكوت.. يا مغرد فوق التوت.. أيام عم بتفوت.. وحبابي ما عادوا لَيِّ".

 وعلى جسر الأردن، تكلم الوجع لديها: 

- "مقساك يا دهر.. وما أصعبك يا جسر".

كانت تأتي لزيارتنا مجتمعين أو فرادى. في البداية، وهي في صحتها، كانت تأتي وحدها، ثم صارت تأتي برفقة أحد أبنائها أو إحدى بناتها، وأخيراً، لم تعد تأتي.. تعبت عظام أمي!

انتظرتني في عمان سنتين كي تراني، لكن ذلك لم يحصل. فلا هي قادرة على السفر إلى سوريا بسبب عظامها المتعبة، ولا أنا كنت قادراً على السفر إلى الأردن لأن "المخابرات الشقيقة" أبعدتني عن البلاد. 

بسبب وضعها الصحي، ارتأى إخوتي وأخواتي في الأردن أن يُبقوا الوالدة لديهم، وأن "تدور" على بيوتهم، أسبوع في كل بيت، إلى أن يأخذ الله أمانته. 

كانت تلح للعودة إلى الخليل، وهم يراهنون على "النسيان" الذي بدأ يفعل فعله في ذاكرتها، ويقولون لها : "يا حجة لسه امبارح جيتي!".

 لكن ذلك لم يعد يفلح معها، وصارت تبكي كالأطفال كي تعود إلى الخليل.

عادت.. وماتت.. ودفنت هناك.

.. حققت أمي "حق العودة" بأن يكون لها قبر في الوطن!

حُلْمُنا الغالي "حق العودة" سيشمل الأحياء، فهل سيشمل الشهداء، والأموات، والعظام، وكيف؟!

ربما سيكتفي الشهداء بالنصر، فهو العودة.. ويكفي أن نقرأ الفاتحة، كلٌّ من مكانه، على أعزائنا الذين تضمهم القبور.. في أربع رياح الأرض.

لكن، يحزنني تشتت قبورنا.. يؤلمني شتات العظام: 

أبي حافظ وأمي سعاد يغفيان في تراب الخليل

أخي الأكبر غازي ينام في رمل الكويت

وابني مارسيل مدفون في قبر بعيد!

 اختار مارسيل، في بلغاريا، صوفيا، الساعة الواحدة ظهراً، يوم السبت الموافق 26 تموز يوليو 2008، وهو في الرابعةِ والعشرين من العمر، أن يُتوِّج نجاحه في السنة الرابعة والأخيرة في الجامعة، بالقفز من الطابق السادس. كان على وشك التخرج من الجامعة.. لكنه فضَّل أن يخرجَ من الحياة!

وأنا.. أين سيكون قبري؟

لا أعرف !

كما حصل مع عظام أمي، لم تعد عظامي تحملني بيسر، مع أنني أتوكأ على عصا. في قدمي 60 شظية من الرصاص المتفجر (دمدم) ترافقها منذ 5 حزيران يونيو 1969 وحتى الآن، والجرح لا يلتئم.

عندما زارني والدي المسكين في بغداد، قال لي بألم، وهو يتـأمل قدمي المشوهة التي أرهقتها العمليات:

 "يابا، إذا بتتعبك كتير، وما بتشفى، اقطعها وارتاح"! 

لكنني قررت التمسك بها، وعندما يسألني إخوتي وأخواتي على الهاتف من فلسطين أو الأردن أو الصين:

 - "كيف وضع رجلك؟"

 - أجيبهم: أفضل من الوضع السياسي!

صمدت رجلي أكثر من 50 عاماً، وهناك دول لا تصمد 50 يوماً. بعد أن رافقتني كل هذه السنوات، وتحملتني في السراء والضراء، وبعد 14 عملية جراحية، وبفضلها رأيت عدة دول في العالم، هل أتخلى عنها؟! وإذا تم بترها، كيف سأنزل إلى البحر، أو أنزل إلى الدبكة وأدْبِكُ مع من يدبِكون؟!

تخيلتها وهم يبتروها ويرموها في حاوية النفايات، تخيلتها بعد هذا الصمود وهذه "العِشْرة"، تخيلتها تقول بأسى: يا عيب الشوم!

رِجلي جاءت إلى الدنيا معي، وستغادرها معي، لن أتخلى عنها.. جئنا معاً، وسنذهب إلى القبر معاً، أحتفظ بها مثلما أحتفظ بـبنطالي المثقَّب بالرصاص..

.. الحمد لله أنه رصاص الأعداء!

عام 1969، عندما رأتني أمي في مستشفى عالية في الخليل، كان عمري 17 عاماً. 

الآن، عام 2021، في منفاي الجديد، فرنسا، أحمل على كاهلي 68 عاماً. 

كان سلاحي "سيخ كباب"، طعنت به ثلاثة جنود من الأعداء.. ونزفت كثيراً من الدماء..

أصبح سلاحي القلم، صرت أنزف الكلمات.

أحمل شهادتيْ دكتوراة: دكتوراه في الفلسفة.. ودكتوراه في القهر.

القهر من جهتين: من الغربة والمنافي، ومن وجود مفارقة باهظة ودامية: شعبنا الفلسطيني شعب عظيم مبدع معطاء، وزعماؤنا يتقنون الفشل والتبديد والخواء.. زعماء يرون الكرسي.. ولا يرون زيتون البلاد !

أصابني مرض الضغط بعد الاقتتال في غزة.. و"انتصار" ثورتنا بأن "رزقنا" الله "دولتين" بدل دولة واحدة، واحدة في رام الله.. والثانية في غزة !

 

كنت أعرف أن الدواء والحمية لا يكفيان، بل لا بد من إطعام الروح . لذلك، من أجل تعزيز الأمل ومحاربة الكآبة، قمت باقتناء "سيديات" مختارة لفيروز، أم كلثوم، محمد عبد الوهاب، كارم محمود، سعدون جابر، خوليو اغليسيس، ياني، بافاروتي، أندريا بوسيلي وموسيقى كلاسيكية لموسيقيين مختلفين من عدة قرون.

لا أملك ما أُوَرِّثُهُ لأولادي سوى بنطالي المُثقَّب وبعض المؤلفات، لا أملك بيتاً أُوَرِّثُهُ لهم كي أريحهم وأريح فاطمة من هَمِّ الإيجار و"شحشطة البيوت".

لا أملك سوى حُلْمٍ بامتلاك قبر.. قبر في الوطن!

ولي حُلْمٌ بسيط : ابني عُمَر وابنتي دالية أن يعيشا طويلاً وأن لا ينقصف عمرهما كما انقصفَ عُمْرُ أخيهما مارسيل، ألا تموت فاطمة قبلي بل أن أموت أنا قبلها، وأن تعيش هي وأولادي بكرامة. 

لا أريد لفاطمة أن تصطف في طابور الأرامل أمام باب أي مسؤول تافه، أو سافل !

وأريدُ كبوةً أخيرة

كبوةً ترافقها السلامة

قبراً جميلاً

أُعَلِّقُ عليه التعب

وأنامُ فيه إلى القيامة

لا أريده في وحشة الغربة وفي صقيع المنافي، أريد قبراً هناك في تراب الخليل، قرب كروم العنب، بجانب عظام أمي.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top