مهنا الدرة.. المسافات بين الفن والحياة
الفنان الراحل مهنا الدرة

مهنا الدرة.. المسافات بين الفن والحياة

عمان – تنوير

غسان مفاضلة

 

عندما كان في الثامنة من عمره، كشفت لوحته الأولى عام 1946، عن موهبة كان عليها، فيما بعد، أن تواجه العالم بروح متحفزة بأدوات البحث والمغامرة والتجريب. منذ ذاك، وعبر سلسلة من الاستنباطات التدريجية في مجال الرؤية والتعبير، راح الفنان الأردني مهنا الدرّة (1938- 2021) الذي غيبه الموت يوم الأحد بعد صراع طويل مع مرض عضال، يتقصى مخبوءات الظواهر المرئية في محيطه وبيئته، ويعاين خفاياها وتجلياتها على عتبات الجمال التي ذوّب في رحابها المسافات بين الفن والحياة.

فقرب "سيل عمان" الذي كان يجرح وسط المدينة كلما فاض- حسب تعبيره، كانت ولادته هناك. وهناك ابتدأت معالم موهبة الدرّة بالتشكل، متأثرةً بمحيطها الناغل بالحركة والتنوع والانسجام.

وحين كان الفنان يتقصى ويعاين الظواهر البصرية في محيطه، كان يفعل ذلك، لا ليسرد ما هو مرئي، بل ليضعه في سياق المواجهة الحادة والنشطة للعالم ومكنوناته؛ مواجهة الظاهرة وإعادة إنتاجها وتجاوزها عبر لوحته المتحفزة دومًا، لبلوغ ذروة التعبير الجمالي بعيدًا عن التنميطات والترسيمات المسبقة. وهي المواجهة التي جعلت منه رائدًا حداثيًّا مجددًا في الفن التشكيلي الأردني، وحاضرًا على الدوام في مناخه المعاصر.

شكلت الحكايات غير المرئية في طفولته المبكرة، بداية منطلقاته الحسية والذهنية. فأثناء تواجد عائلته في مدينة الكرك (140 كلم جنوب العاصمة الأردنية) مطلع أربعينيات القرن الماضي، حيث كان والده مديرًا لمدرستها الثانوية، أخذت الحكايات الخرافية والقصص المأهولة بعوالم الجنيّات في قلعة الكرك وآثارها (التي يعود بناؤها إلى عهد المؤابيين في القرن التاسع قبل الميلاد)، تتسرّب من الغرف المعتمة في القلعة إلى غرف خاصة في رأسه، ليكشف بإدراكه الحسّي المبكر عن مكنونات عالم خفي غير مرئي، وهو العالم الذي وشّح مرئياته الفنية في جميع مراحله لأزيد من سبعة عقود.

شكّل "سيل عمان"، بهدوئه وصخبه، المحطات الأولى في إدراكه البصري. فمن متعته في مراقبة قطع الأثاث القديمة وهي تطفو، والأكواخ التي يجرها الفيضان، إلى معاناته اليومية في قطع السيل من البيت إلى المدرسة، إضافةً إلى سحر انعكاس الأضواء الليلية على سطح الماء؛ كل ذلك أسهم بتشكيل مصادره البكر في التماعات رؤيته الفنية "على الرغم من كل شيء اتخذت السيل صديقًا لي، وقد لعب دورًا مركزيًا في المراحل الأولى من حياتي ولغاية الآن؛ فما زلت أتذكر شفافية المكان، والأمواج الضعيفة التي تتراقص كخيوط الفضة، بانعكاساتها المختلفة، إذا ما سقط عليها الضوء".

ابتدأت تجربة الدرّة الفنية بمحيطه الخاص، مكانًا وإنسانًا. وكان لقسمات الوجوه وملامحها التعبيرية، النصيب الأكبر في بحثه عن الإيقاع الذي شكّل الناظم الحيوي للطاقة الحركية في لوحته، بوصفها النقيض المُضْمر للسكون والجمود؛ إنها حركة الحياة في مواجهة الخواء والموت، وهي في تجليها الأكثر رحابةً واختزالًا، في الآن نفسه، حركة الوجود في مواجهة العدم.

ومع الفنان الروسي جورج أليف وتتلمذه عليه في نهاية الأربعينيات في عمان، أخذ إدراك مهنا للفن يأخذ منحى جديدًا في معاينة ظواهر العالم وموجوداته "كان أليف أول من علمني أساسيات الألوان المائية، حيث كانت أول تجربة أواجه بها مباشرة معرفتي بالفن، وكانت الانطلاقة التي جعلتني مستعدًا لمواجهة العالم".

وبتعرفه، في بداية الخمسينيات، على الفنان الهولندي وليم هلووين، تعرف على المدرسة الهولندية في الفن، وتحديدًا تجربة الضوء عند رمبرانت بما تحفل به من طاقة وحركة، ومنها تدّرج الدرّة إلى الملامح الأولى في التجريد اللوني، وهي نفسها "التجربة السحرية التي تجعل الرؤية ممكنة" بحسب الفنان.

 

 نأيه عن السرديات الإنشائية، وعدم ارتهانه للشروط الخارجة عن مقتضيات الحسّ والشعور، إضافة إلى صدقيته وعفويته، جميعها ساهمت في تشكيل خياراته 

الحرة في التعامل مع لوحةٍ لا تحتكم إلا لمعيارها الخاص في الإنشاء والتعبير، وليس إلى معيار النقد وتوقعاته 

خلال التحاقه بأكاديمية روما للفنون الجميلة عام 1954، تعرف على الجمال المعماري لمدينة روما، كما تعرف على أساتذة عصر النهضة في متاحف إيطاليا وكنائسها.

يعود في عام 1959 إلى عمان مدررسًا للفنون في معهد المعلمين. وبعد عام يغادر مرة أخرى إلى روما لمدة عشرة أعوام عاملًا في السلك الدبلوماسي؛ فتُعرف أعماله على مستوى عالمي بفعل معارضه خارج الأردن التي عرّفت بفرادة أسلوبه الفني وتميّزه.

عيّن الدرّة في عام 1971 مديرًا عامًا لدائرة الثقافة والفنون قبل أن تصبح وزارة الثقافة، ليشرع بعد ذلك بعام بتأسيس معهد الفنون الجميلة، ليتتلمذ على يديه العديد من الفنانين الأردنيين. ونتيجة لجهوده وإسهاماته المتميز في إغناء المسيرة الثقافية والفنية، استحق أول جائزة تقديرية تمنحها الدولة في الآداب والفنون عام 1977.

بعد ذلك عمل في جامعة الدول العربية مديرًا للشؤون الثقافية في عام 1981، كما عمل سفيرًا لجامعة الدول العربية منذ عام 1992 وحتى عام 2000، ليستقر به المطاف أخيرًا في عمان. وكان آخر معرض له قد افتتحه الرئيس النمساوي هاينز فيشر في بون، واحتوى المعرض على مجموعة من أعماله المقتناة في عدد من جامعات ومتاحف العالم.

شكّل "رسم الفعل "Action Painting، إيقاعًا مشتركًا بين مختلف مراحل الدرّة الفنية؛ فمن مرحلته الزرقاء، التي شكل البورتريه منطلقها ومحورها في بداياته الفنية، إلى تكعيبيته- التجريدية، بتكويناتها المتداخلة ومناظرها الآخذة بالتآكل والتصدع، وصولًا إلى تجريديته التي تمنح الكتلة مداها الحركي عبر شفافية اللون وتدرجاته، بالإضافة إلى رسوماته بالحبر الصيني، بموضوعاته الراقصة في فضاء مشحون بالطاقة والحيوية.

 ابتدأت تجربة الدرّة الفنية بمحيطه الخاص، مكانًا وإنسانًا. وكان لقسمات الوجوه وملامحها التعبيرية، النصيب الأكبر في بحثه عن الإيقاع الذي شكّل الناظم الحيوي للطاقة الحركية في لوحته، بوصفها النقيض المُضْمر للسكون والجمود؛ إنها حركة الحياة في مواجهة الخواء والموت.

التجريدات اللونية في أعماله، وتحديدًا في مرحلته الأخيرة، لا تكتسب فاعليتها من التوزيعات التلقائية لمستويات اللون ومساحاته فحسب، وإنما تكتسب تلك الفاعلية، أيضًا، من العلاقة التبادلية بين الكتل اللونية وخطوطها من جهة، وبين الخطوط اللونية والكتل المنبثقة عنها من جهة أخرى، عبر المساحة الحركية على امتداد سطح العمل الفني.

فالعلاقة الحيوية بين الكتلة والخط تشكل- بالإضافة إلى "رسم الفعل"- قاسمًا مشتركًا بين أعمال الفنان عبر مراحله المختلفة. إذ تكشف الكتل والخطوط في تحولاتها وتبدلاتها، عن النسغ التزامني (الآني) الذي يقوم بترسيخ الطاقة التعبيرية الراشحة من العلاقة التبادلية بين الكتل والخطوط، سواء أكان ذلك بتفسّخ الكتل وتحولها إلى خطوط لونية، أم بتكثف الخطوط وتحوّلها إلى كتل لونية.

التحولات والتبدلات في علاقة الكتلة مع الخط، تُفضي إلى علاقة أخرى تعمل على تفعيل المستويات اللونية وتحريكها على سطح اللوحة. فالكتل اللونية في تفسخها وتحللها إلى خطوط متعددة الاتجاهات (أفقية، عامودية، قطرية ومتقاطعة)، تخلق مدارات حركية (انتشارية) على امتداد السطح التصويري. في الوقت ذاته، يعمل تكثف الخطوط اللونية وانحسارها على شكل كتل (متراصة أو متباعدة)، على خلق عدة بؤر لونية تعمل على خلخلة مركزية اللوحة، لتكتسب بذلك حالة من الصيرورة الدائمة في فضائها البصري على السطح ذاته.

نأيه عن السرديات الإنشائية، وعدم ارتهانه للشروط الخارجة عن مقتضيات الحسّ والشعور، إضافة إلى صدقيته وعفويته، جميعها ساهمت في تشكيل خياراته الحرة في التعامل مع لوحةٍ لا تحتكم إلا لمعيارها الخاص في الإنشاء والتعبير، وليس إلى معيار النقد وتوقعاته، ولا إلى إملاءات أساتذة الفنون وقوالبهم الجاهزة، ولا حتى إلى طموحات الفنان ورؤاه المسبقة.

 

 ظلّ متفردًا في أسلوبه، ومغايرًا في تعبيراته وتوجهاته عن مجايليه من الفنانين الرواد في العالم العربي. لم يأخذهُ بريق التنظير في التأصيل والتحديث، ولم يُغرِه الجدل في طروحات الهوية والموروث، أو إشكالات الحداثة والمعاصرة، وعلى الرغم من التنوع والثراء الذي صاحب مسيرته الفنية، حافظ الفنان على خصوصية الأسلوبية بعيدًا عن التنميط والتأطير. فالأسلوب لديه هو الكيفية التي ينسج فيها العلاقات مع علاماته ومفرداته على سطح لوحته؛ سطحٌ ماديٌ يطلقُ منه العنان لمرئيات لوحته لتحلّق بأجنحة التخييل والتعيين. أسلوبهُ هو الهُوية التصويرية التي نتعرف من خلالها على شخصيّة لوحته التي لا تشبه سواها.

ظلّ متفردًا في أسلوبه، ومغايرًا في تعبيراته وتوجهاته عن مجايليه من الفنانين الرواد في العالم العربي. لم يأخذهُ بريق التنظير في التأصيل والتحديث، ولم يُغرِه الجدل في طروحات الهوية والموروث، أو إشكالات الحداثة والمعاصرة، والتي كانت باعثًا لتشكيل الجماعات والتجمعات الفنية منذ بواكير خمسينيات القرن الماضي في غير بلدٍ عربي. لم يكن يعنيه سوى تشييد أفقه الجمالي المُتفلت من القيود المكبلة لحرية التعبير ورحابته.

سيل الزمن، وعنفوان التجربة، واستدعاء التفاصيل من طيات الذاكرة، والذهاب بعيدًا في مغامرة تذويب المسافات بين الفن والحياة، واستحقاقات اللحظة الراهنة؛ هي مزيجٌ من خليط إكسير التعبير الذي داوم الفنان على إعداده، بأناةٍ واقتدارٍ، لمواجهة التسرّب والنقصان من كأس الحياة.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top