العذب الذي رحل كله: جريس سماوي | مالك العثامنة

آخر الأخبار

العذب الذي رحل كله: جريس سماوي

مالك العثامنة

 

التقيته مرة واحدة في حياتي، قبل أن أهاجر بسنوات.
 
كنا في المركز الثقافي الملكي، كان شاعرا فقط، شاعرا يحبه الناس ويعرفونه، وكان مثقفا مثل أي مثقف حقيقي (وهم قلة) وكانت نجوميته تتألق في نصوصه التي يكتبها في برنامج الجمعة "يسعد صباحك"، تلك النقوش النصية التي كانت مثل أغنيات تسمعها لمرة واحدة وتطرب لتنتظر الجمعة التالية فتسمعها من جديد، سهرنا في "لوبي" المركز حتى ساعة متأخرة من الليل ثم ودعته وافترقنا.
 
لقائي اليتيم به، لم يمنعن من أن أتواصل معه من طرف واحد، فكنت أتابع بشغف كل ما يكتبه، أقرأه باهتمام وأتعلم درسا في العذوبة، كان مدرسة في العذوبة، وسيدا في الأناقة، وكانت صوره من التي تحب ان تراها في المواقع الإلكترونية على أي خبر، تحب أن ترى نفسك أنيقا مثله، وتتمنى وأنت تقرأه ان ترتقي إلى عذوبته.
 
لن أدعي زورا، صداقة لم تحدث، وآسف جدا أنها لم تحدث، لكنها محبة إعجازية من طرف واحد حدثت، لأنه جريس سماوي.
 
رحل جريس سماوي..
 
قيل لي قبل أشهر، أنه ذكرني في سهرة على خلفية مقال، وأبدى إعجابه "برشاقة" عباراتي على حدتها كما قيل لي.
 
حسنا، أنا أسمع ثناءا ومديحا كثيرا بقدر ما أسمع سبابا ونقدا شديدا، وفي كل الحالات لا أتأثر كثيرا.
 
لكنني لا أخفي أني ارتجفت تأثرا بما قيل لي نقلا عنه ذلك اليوم، هي شكرا بحجم الكون متأخرة لروحك أيها العذب جريس.
 
رحل جريس سماوي..
 
وفي جائحة الكورونا هناك إبادة جماعية لا تبقي ولا تذر، موت بالجملة، والحزن شرشف كبير يغطي الكوكب كله.
 
انا ممن ثكلتهم كورونا بفقيد، مات أبي رحمه الله، وكنت أنا قبل رحيل والدي بقليل، على بعد أمتار قليلة من منجل الحصاد الأخير لولا قوة الرب في العلم التي أعطتني تأجيلا آخر.
 
كل يوم، نقرأ نعيا ونحزن..هناك موتى من ذوات معروفة، سياسيين وكتاب أو نجوم مجتمع، من لا يحزن عليهم من خصومهم لا يشمت فيهم على الأقل، طبعا هناك - عديموا إنسانية- يشمتون بالموتى، لا نستغرب ذلك، فالرداءة موجودة في الطبيعة.
 
لكن جريس سماوي، هذا المسيحي من الفحيص، هذا الإنسان الوديع من تلك الجغرافيا الوادعة، يثير دهشتك وأنت ترى كل هذا الحب يحيط به وقد ارتحل عنا.
 
كل هذا الحزن العذب، أي حزن هذا الذي يقطر عذوبة من كل الناس؟ حزن عابر للحدود، فيرثيه كل من سلم عليه والتقاه لو مرة، يحزن عليه كل المختلفين في الدين والمذهب والعقيدة والرأي والسياسة والأصول والمنابت..
يحزن عليه المثقفون وأدعياء الثقافة، الفنانون والمبدعون والشعراء شركاء "عذوبته"، الناس الذين عبر حياتهم ولو بـ"مرحبا" عابرة لكن تسكن القلب.
 
فأي حزن عذب هذا؟
 
رحل جريس..
 
جريس العذب كله مات..
 
قيل قديما، من أحبه الله، أحبه الناس.
 
فما الذي بينك وبين الرب من محبة يا جريس حتى يحبك الناس كل هذا الحب؟
 
آسف لنفسي أني أضعت احتمالات كثيرة للقاءات لا تحصى معك..أعزي نفسي كما أهلك بكل هذا الحب حولك.
 
الرب أعطى (وأحبك)، الرب أخذ (وأحبك)، فليبق اسم الرب (المحب) مباركا.

 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top