الصورة.. محاولة للفهم | لانا راتب المجالي

آخر الأخبار

الصورة.. محاولة للفهم

لانا راتب المجالي

قبل أيّام قليلة، أعلن صديق فيسبوكي خبر وفاة شقيقه مرفقًا بأغنية حزينة "فقدتك يا أعزّ الناس"، الأمر الذي أدخلني في نوبةٍ من الضحك عوضًا عن التعاطف معه أو طلب الرحمة لشقيقه الراحل. 

 

وحتّى لا نظلم الرجل، دعونا نتّفق أنَّ ردود أفعال الناس متباينة أمام جلال الموت وسطوته، وبعضها قد يصل إلى حدّ الغرابة. أذكرُ مثلا أنّني شاهدتُ امرأة تقفز فوق الكنب وتصفّق وتغنّي عندما بُلّغت بموت عزيز، وآخر عندما عرف بموت شقيقه تناول وجبة دسمة بشهيَّة يُحسَد عليها ثمّ أجهش في البكاء، شاهدتُ كذلك شابًا ركض أكثر من ساعتين عندما بُلِّغ بوفاة والده  ثمّ عاد متوازنًا قويًّا ليمارس واجبه الاجتماعي. الموت جبّار والشعور بالفقد حالة يصعب معها التكهّن بردّ فعل صاحب المُصاب. 

هذه المقدّمة تبرِّر لقريب/ صديق/ زميل/ حبيب/ جار المتوفّى ردّ فعله، لكنّها تقف عاجزة أمام ردود الأفعال العجيبة لأشخاص لا يرتبطون بصلة وثيقة به خصوصًا لو كان من الشخصيّات العامّة المعروفة والمحبوبة، إذ يتسابق الأشخاص إلى إعلان خبر وفاته مرفقًا بصورة شخصيَّة تجمعه مع الفقيد! أو رسالة متبادلة عبر المسنجر أو الواتساب، قد تكون مجرد مجاملة أو ردّ على استفسار أو في أفضل الأحوال تحيّة متبادلة عابرة. 

 

 مرّة قرأت، أنّ نسبة كبيرة من البشر تعشق دور "الضحيَّة" وتبحث عنه، لأنّها تشعر بأهمّيتها في هذه الحالة. هذه الشريحة المتزايدة لو فقدت طابع "البؤس" الذي يطبع حياتها، تبحث عن أحزان جديدة تتقمّصها وتعيش فيها كي تحصل على مزيد من "الاهتمام" و"الشفقة" و"القيمة". ومن هنا يأتي هذا المشهد:
 يقرأ (البائس) خبر وفاة شخصيَّة عامّة، يحكّ رأسه بسرعة، يفكِّر، يركض إلى حقيبة جلديَّة مرميَّة فوق خزانة الثياب، ينثر صور المهرجانات والأمسيات والحفلات التي حضرها خلال حياته فوق سرير غرفة النوم، تدخل زوجته وتؤكِّد له: جراباتك فوق الرفّ مش هون؟ لا يلتفت إليها، ويكمل البحث حتى يجد ضالته، الله أكبر، وجدت الصورة التي توسّلت فيها (المرحوم/ الشخصيَّة العامةّ) أن أتصوّر معه، أو التي "حشرت نفسي" فيها بعد أن تطفّلت عليه. يحمل البائس هذه الصورة وينشرها في الفيسبوك ناعيًا "صديقه" في رسالةٍ واضحة تقول: اشفقوا عليّ فأنا الأكثر حزنًا وبؤسًا بينكم اليوم بدليل "الصورة". 

 

الحقيقة، أتعاطف مع شخصيَّة "البائس" وأستطيع أن أتقبّل دوافعها النفسيَّة، لكنّني أشمئز من شخصيَّةٍ أخرى تستخدم الحيلة نفسها بدوافع خبيثة. هذا النوع الانتهازي من الشخصيّات، يعمل وينشط في المجال ذاته للشخصيَّة العامّة؛ مثلا، الراحل أديب مشهور، فإنّ "الانتهازي" هو شاعر شاب أصدر ديوان شعر يتيم أو روائي مبتدئ أصدر روايتين أو اكتفى بنشر بعض المقتطفات في صفحته على الفيسبوك. الانتهازي ينشر صورته مع الراحل مع رسالة تقول: أنا الشاب الثلاثيني صاحب الكتاب الواحد، صديق القامة السبعينيَّة الذي أصدر عشرات الكتب. قيمتي وشهرتي تساوي قيمته وشهرته، حتى لو كان ما أكتبه "علاك مصدّي"، وعليكم منذ اليوم أن تعاملوني بطريقةٍ مختلفة بدليل "الصورة". 
 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top