السعداوي.. 90 عاما في تعليم الحرية | غازي الذيبة

السعداوي.. 90 عاما في تعليم الحرية

غازي الذيبة

يفقد المشهد التحرري العربي اليوم، صوتا نسائيا عظيما: الدكتورة نوال السعداوي، ولن نكتشف عظمته أمس أو اليوم، سنكشتفه عندما نتذوق طعم الحرية والمساواة والعدالة والتقدم والمدنية، ونخرج من الاستبداد الجاثم فوق صدورنا، ونتخلص من استبداد الطغاة ورجال الدين والتبعية والنقل والتمييز والعنصرية والعتمة والفساد والظلم وانتهاكات الأطفال والنساء والرجال والعبودية.

استقلت السعدواي برؤيتها الصادمة للسلطات الثلاث، تلك التي تجد حاضنتها في الاحتماء بالاستبداد الذكوري، الاستبدادالمسلح بالعادات والقيم والأناشيد الحماسية عن القوة والفروسية والشهامة والكرم والإباء، وكأنها منظومة مقتصرة فقط على الذكور، فيما لم ينته ذكورنا بعد، من تضميد جراح هزائمهم اليومية في حروب الأخوة الذكور والأخوة الأعداء والأعداء، والتساقط تحت سياط التعذيب في معتقلات الموت العربية المنتشرة كالوباء في كل قرنة عربية.

قدمت رؤاها ودراساتها وتصوراتها غير المسبوقة في مجال الحق البشري للجميع بحياة سوية. لم تكن وهي تسند رأسها تتطلع الى ضرب جمجمة المجتمعات العربية، بما هم عليه من تخلف وجهل بحقوق أمهاتهم وأخواتهم وبناتهم، ليستيقظوا، بل وقفت مع حق المرأة الموازي لحق الرجل في العمل والحياة والفعل والحرية، و"بحشت" عميقا في معنى أن يكون العربي دون تمييز جنسي، فاعلا حيويا يخرج المجتمع من بوتقة انصهاره في أتون هزائمه.

ذهبت في رؤاها واطروحاتها لاستعادة نصف روحنا المعطلة عن أي فعل، بتعليم المرأة المستلبة حقها في أن تكون قوية لصوغ حياة غير تلك التي صاغها السيف والشعر المعطل عن الفعل والسرديات المهملة عن القوة والشجاعة، حياة تصوغها الشراكة العظيمة بين النصفين، لتبدبد العتمة القارة في وجودنا المظلم.

حين قرأتها قبل نحو 35 عاما، كنت آمل أن أجد شيئا مختلفا، يتحدث عن الحرية ليس فقط للمرأة بل للمرأة والرجل، وأمام مشروعها الذي أفنت حياتها في صدمنا به، وكشف عوراتنا، أدركت بأنني أمام نوع جديد من الوعي.. من التفكير بحاجتنا للحرية. نحن نعطل نصف المجتمع، نقصيه، نهمشه، فنظلم النصف الذي يعتقد بأنه المنتصر، والقوي والجبار، أي الرجل، ونظلم المرأة، حين نزين علاقتنا بها على نحو شعري، باهت، يظهرنا ككائنات محتملة، فنبدي احتراما لأمهاتنا وأخواتنا، متوارين في ذلك بتقصيرنا في منحهن حقوقهن، وفي احترام جميع النساء، ومن ثم في احترام أنفسنا، والإغضاء عمن يدوسنا باستبداده، واستمراء هذا الدوس، باعتباره خبيئتنا المظلمة، المحمولة على قوة استبدادنا المفعلة أساسا في تحييد المرأة، بل محوها، والخجل حتى من ذكر اسمها، وتحويلها الى مجرد متاع لا أكثر، نستأنس به عند الحاجة واللزوم، بعيدين عن الإيمان بوجودها الذي سيحررنا من العيش في ظلال الاستبداد والقبول به.

"بحشت" سعداوي التي تلقت من الشتائم والهجاء والنقد ما لو وظف في فهم اطروحاتها، لغير جزءا من بوصلة عملنا المريب في فهم الحياة، وقلب آلية العقل العربي المستقرة منذ قحط على مفاهيم لم تتحرك قيد أنملة، حتى خرجنا من التاريخ اليوم بدون لف أو دوران.

هزت من شتموها وانتقدوها، حين فضحتهم وفضحت قدرتهم على الكذب والنفاق في تبييض وجوههم من جريمة قتل المرأة العربية، وتعطيل مكانتها وفعلها، ودفعت لإنتاج قوة مضادة كتلك التي استقيتها ذات مساء أنهيت فيه قراءة آخر كتبها، وأنا أتنساءل: ماذا نفعل بحق الجحيم بأنفسنا؟

أعادت سعدواي للمرأة قوة وضوح جنسها، ومعنى أن تكون امرأة، لها كامل الحقوق التي للرجل، وأوضحت لها هويتها كشرط للوجود، أما وأختا وعمة وخالة وبنتا وانسانة قبل كل شي، وأنها تستحق بأن تكون بلا قيود كالرجل، بعيدا عن القيود المُتبلة بفتاوى التضليل الديني والاجتماعي والسياسي المدمرة- إذا كنتم ترون.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top