صاحبة السعادة سعادة | رمزي الغزوي

صاحبة السعادة سعادة

رمزي الغزوي

يندرج في الدستور الأمريكي حق السعي في الحصول على السعادة بالتوازي التام مع الحق بالحياة والحرية. وحينما تشكل الاتحاد الأوربي اختاروا نشيدا خاصا به متمثلا بمقطوعة من السمفونية التاسعة لبتهوفن ملحنة عن قصيدة فريدريش شيلر بعنوان (إلى السعادة)، وهي بذائقتي الخاصة من أجمل المقطوعات الموسيقية في الإرث الإنساني.

قبل سنوات توصلت عالمة النفس (كاروا روثويل) إلى معادلةٍ رياضية مفادها أن (السعادة = س+?ص+?ع)، حيث (س) تمثل الصفات شخصية، مثل التفاؤل والطيبة، والشعور بالقوة، و(ص) تمثل الصحة والصداقة، والوضع المالي (عند البعض هو الأهم)، ورأي الناس، و(ع) تمثل تقدير الذات والتوقعات، والحدس، والذكاء العاطفي، وغيرها من طموح واعتزاز.

رغم هوسي بالمعادلات الرياضية ودوزنتها، إلا أنني لم أكلف ذهني عناء حساب كمية سعادتي، بل ضحكت ساخراً من هذا التلاعب الحسابي البارد في مشاعر ساخنة محلقة. فكيف نحشر السعادة في معادلة جامدة لنستنبطها من مجاهيل وقيم صماء، وما زلت أجزم أن السعيد من لا يجد وقتاً يجيب فيه عن سؤال ببساطة (ثلث الثلاث كم؟). 

قبل يومين حل الأردنيون ضمن «الشعوب الأقل سعادة» في 2021 ويحتلون المرتبة 127 عالمياً. وهذا متوقع ليس لأننا فقط نقع تحت وطأة ضائقتين مالية ووبائية كبيرتين، بل لأننا أيضا واقعون ومنغمسون تحت وطأة التذمر والتجهم الدائمين، والتركيز على ما لم نحصل عليه بعد. علما بأن الدول التي احتلت المركز الأولى في قائمة السعادة ليست هي الدول الأكثر ثراءً.  

يبدو أنه من الجنون في هذا الوقت العاصف بالكروب والندوب، أن تصرح بكل براءة: إنك سعيد غير شاعر بثقل أعمدة الخواء والغلاء والبلاء على أم رأسك وطبلة أذنك وشبكية عينيك وكريات دمك. والأكثر جنوناً أن تدخل يومك مقرّراً أن تعيشه بسعادة دون أن تلقي بالاً لكل من يتربص بك، أو بما يواجهك من تحديات وضغوط.

ببساطة وجدت أن العالم لا يؤمن بالمسرات الكبيرة. بل ثمة أشياء صغيرة تجعلنا في سعادة كبيرة دائماً. كأن تشتبك أصابعك بيد ابنتك، أو تقرأ في الصبح وجه أمك وتتذكر وشوشاتك الرطبة في أذني أبيك. أو ترقب دحنونة تنبجس من خاصرة الحجر. أو تتقمص مصير حجر تكور وتلمس في مجر الوادي. عليك أن تكون صياداً يقظاً يتربص باللحظات ويقنصها. الحياة اختلاس.

رغم أن معادلة الأستاذة (كاروا) أغفلت الأمن والطمأنينة وقوت اليوم والفراغ، لكنها تبقى في حالة اتزان بصرف النظر عن القيم المتغيرة فيها. وهذا ما يجعلني أرى أن السعادة توازنات أو (كعكة) في ابسط الحالات، لا تستطيع وزارة أن تجهزها لك، ولهذا كُن وزيرا واطبخها بيدك. السعادة قرار شخصي قبل كل شيء.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top