مفهوم العشائر ومفهوم الدولة | المحامي الدكتور محمود عبابنة

آخر الأخبار

مفهوم العشائر ومفهوم الدولة

المحامي الدكتور محمود عبابنة

 

لعبت العشائر الأردنية دورا ً بناء في ولادة الدولة ، واستمرت ترفدها بالقوة والمنعة حتى إشتد عودها ، وقوى ساعدها . ثم تخلت العشائر عن دورها المحوري في الاقتسام والمحاصصة لأن الدولة الأردنية دخلت عصر دولة المواطنة وبقيت العشائر رموزً يؤخذُ خاطرها ولا يؤخذ بحسبانها ، فإدارة السياسة تحتاج إلى كفاءة من نوع خاص يشارك أبناء العشائر فيها بناءً مؤهلات أبنائها وليس بناء على انتماءاتهم وهوياتهم العشائريّة ، وبقيت العشيرة تؤدي دورها الإجتماعي في التضامن العائلي ومواساة الضعيف وإصلاح ذات البين.
 
وتشكلت على أنقاض نفوذ العشائر وهيبتها العشيرة الأكبر ، وهي العشيرة الأردنية ، ويقودها الهاشميون بما لهم من إرث تاريخي وشرعية لا نزاع عليها للقيام بدور الراعي الأكبر، وأصبح هناك عقد إجتماعي طوعي بموجبه تتسلم مقاليد إدارة البلاد والعباد بمشارك أبناء العشيرة الأردنية الواحدة ، وقامت الدولة على هذا الأساس . وشارك كل من اعتقد أنه كفؤ في إدارة الدولة وتشكلت الوزارات وعين السفراء والمديرون من مختلف الأطياف ، فتولى الأردنيون مواقع مهمّة في الدولة دون نظر إلى انتماءاتهم الدينيّة والجغرافية ، ولم يكن المواطن العادي يشعر أن الوزير فلان محسوب على كوتا الجهة الفلانية والفئة تلك ، وكان المسؤول وزيرا ً كان قاضياً أو مديرا ً او ضابطا ً تلك المهابة والاحترام . وللحقيقة فإن هؤلاء انتزعوها بجدارة ، فإذا تكلم مسؤول افضى وإذا قّّرر فصل ، وإذا انتقل او تحرك فبإتزان وروية،وقامت المشاريع ، وأسست البنية التحتية وما زلنا نفاخر بمؤسسات تعدت سمعتها المستوى الإقليمي، كالمدينة الطبية، ومدينة الحسين للشباب، واتسعت مساحة التعليم وانخفضت نسبة الأمية ، وتحسن مستوى الخدمات العامة ،وازدهر التشريع، وإستقلّ القضاء التي سجل فيها رؤساء السلطة القضائية كموسى الساكت وعلي مسمار ونجيب الرشدان ... وغيرهم مواقف مشِّرفة وبقي هذا الأمر مع ما رافقه من علل مقبوله وإشكاليات تتعلق بمستوى الحريات العامة حتى انتخابات عام 1989 الذي كان بامتياز وهو مجلس النواب الحقيقي المعبر عن إرادة حرة صحيحة فقام بما هو مطلوب ومنقوص ، ووضع حدا ً للأحكام العرفية . وإنطلق فضاء الحرية بالمناقشات حامية الوطيس لبعض أعضاء مجلس النواب ، ومثّل الأردنيين نخبة من ممثلي الأحزاب الإسلامية واليسارية التي كانت شبه محظورة وأبلت هذه النخبة بلاء حسناً في التعبير عن إرادة جماهيرها ولم يسجل على أعضاءها بحدود علمي طلبات خاصة بالتوظيف وبرخص البناء وحفر الآبار الارتوازية ، وخطوط الباصات . وإن لم يكن هذا المجلس بمستواه المثالي المطلوب إلا أنه كان مجلسا ً متميزا ً لكنّ سقف الحرية الذي إرتفع نتيجة الحرمان الطويل قاد شيطان الحكومة إلى التفكير بآلية تفتيت ونخر مدروس ومبرمج لجسم العشيرة الأردنية الواحدة والعبث بمفاصلها وإعادة تصنيعها وتركيبها إلى عشائر وأفخاذ وفروع فكان إختراع نظام إنتخاب الصوت الواحد (هذا البلاء المستطرٍ )، وجرى تقسيم التٌوْرتة إلى قطع توزع حسب القوة ومصلحة الحكومات المتعاقبة ، وعادت العشيرة لتأخذ دورً متناقضا مع مفهوم المواطنة فأقيمت الديوانيات والمضافات ، وبدأت مطالبات بكوتات وزارية بمناصب إدارية ومقاعد جامعية، وتَحَّول النائب من نائب وطن إلى نائب خدمات للعشيرة والمنطقة والحي ، وفي محاولة لجس النبض والعودة مرة أخرى لمفهوم العشيرة الواحدة تشكلت بعض الوزارات ولم تُراعِ التوزيع الجغرافي ، وكان هذا في حكومة فيصل الفايز ، وتكررت في حكومة عدنان بدران إلا أن كلا المحاولتين فشلتا وإضطرت كلا الحكومتين إلى التعديل والأخذ بعين الإعتبار عشائر من الجنوب والشمال ، وهكذا ساد منطق العشيرة لا بمفهومه السامي والاجتماعي الذي ألفناه بل أخذ منحنى آخر فتجاوز بعده السياسي التشاركي إلى بعده الأمني ، وأصبحت العشيرة هي الملاذ للحماية القانونية والمرجعية الأساس ، ومصدر العزوة وهي التي تحصّل حق المظلوم ، وعادت حالات الثأر بعد أن نسيناها، وتكررت حالات رد الفعل وفورة الدم بعد حوادث القتل فتم إستباحة الأحياء والحارات وتنظيم صكوك الصلح بشرط عدم توكيل محامٍ ، وبشرط إعدام الجاني ، ناهيك عن المناطق المحظورة الخارجة عن سلطة الدولة ، والدولة تتفرج من بعيد وتشدد على رجال الامن العام بعدم اطلاق النار حتى لا يسقط الشهيد الاول ويصبح قميص عثمان للإنتفاضة على القانون والنظام.

سياسة المراضاة والطبطبة و "خلي المركب ساير" لم تُجدِ فائدة، وها هي الدولة تقع في شر فعائلها، عندما اعطت العشائر حصصاً وكوتات وقدست مفهوم العشيرة وغيرت من دورها الاجتماعي البنّاء الى دور سياسي منافس لمؤسسة الدولة، ولا ينسجم مع المناداة بدولة مدنية يسندها الدستور ويحفظها القانون والنظام والمساواة، ولا يحفظها سياسياً وتنظيمياً سيوف الوجهاء وشيوخ العشائر ، الذين لهم وظيفة اجتماعية اخرى نحترمها ونجُّلها.

*مقالة خاصة بموقع تنوير الأردن

 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top